كيف يصبح شريك الحياة مصدرًا للأمان والطمأنينة؟
ليس كل بيتٍ سكنًا. قد يكون واسعًا، جميل الأثاث، مكتمل التفاصيل، ويعيش فيه زوجان لا يشعر أحدهما بالراحة مع الآخر. وقد يكون البيت صغيرًا متواضعًا، ثم يشعر الداخل إليه أن فيه شيئًا لا يُشترى: الطمأنينة. فما الذي يجعل بيتًا مكانًا للإقامة، ويجعل بيتًا آخر سكنًا للروح؟
حين تحدث القرآن عن العلاقة الزوجية، اختار لها تعبيرًا بالغ الدلالة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]. لم يقل: لتسكنوا معها، وإنما قال: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ فكأن الزوج أو الزوجة يصبح وجهة يعود إليها الإنسان من تعب الحياة واضطرابها.
والسكن بهذا المعنى أوسع من المنزل. فالبيت جدران وسقف وأثاث، أما السكن فهو شعور بالأمان النفسي؛ أن تستطيع أن تكون على طبيعتك دون أن تعيش مترقبًا للسخرية أو الإهانة، وأن تعرف أن ضعفك لن يتحول يومًا إلى سلاح ضدك، وأن تعود من العالم الخارجي فتجد شخصًا لا تحتاج أمامه إلى ارتداء الأقنعة.
فالزوج الذي يقضي يومه في العمل قد يواجه المنافسة والضغوط والتعثر، وربما يسمع من النقد أكثر مما يسمع من التقدير. وحين يعود إلى بيته، لا يحتاج دائمًا إلى من يقدم له الحلول؛ فقد يحتاج أولًا إلى مكان يشعر فيه أن قيمته لا تتوقف على نجاحه في ذلك اليوم. والزوجة التي قضت يومها بين البيت والعمل أو الأبناء أو الدراسة تحتاج هي الأخرى إلى من ترى في حضوره مساحة للراحة، لا قائمة جديدة من المطالب.
وهذا السكن لا يصنعه طرف واحد. صحيح أن آية الروم جاءت في سياق خلق الزوجة للرجل، لكن القرآن يصور العلاقة في موضع آخر بصورة متبادلة شديدة القرب: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. كل منهما لباس للآخر؛ قريب منه، ساتر له، محيط به. وفي هذه الصورة معنى جميل: كما يحتاج الرجل إلى السكن، تحتاج المرأة إليه، وكما ينتظر أحدهما الأمان من صاحبه، فهو مسؤول أيضًا عن أن يمنحه إياه.
ولعل من اللافت أن علم النفس الحديث اقترب من هذا المعنى من زاوية أخرى. ففي نظرية التعلق يظهر مفهوما «الملاذ الآمن» و«القاعدة الآمنة»؛ فالعلاقة المستقرة تمنح الإنسان شخصًا يستطيع الرجوع إليه عند الضيق طلبًا للدعم والطمأنينة، وفي الوقت نفسه تمنحه أمانًا يساعده على الانطلاق إلى الحياة والعمل والنمو بثقة.[1] وليس المقصود بالطبع أن المفهوم النفسي تفسير للآية، وإنما أن المعرفة الإنسانية الحديثة تلتقط هنا حاجة إنسانية عميقة عبّر عنها القرآن في سياق الزوجية بكلمة واحدة بليغة: السكن.
غير أن هذا السكن يمكن أن يتآكل، وأحيانًا لا يحتاج هدمه إلى مشكلة ضخمة. بيت يكثر فيه النقد والسخرية والمقارنات والتهديد بالرحيل عند كل خلاف يجعل الإنسان متحفزًا بدل أن يكون مطمئنًا. وقد لا توجد حادثة كبيرة يستطيع أحد الزوجين الإشارة إليها، وإنما مئات المواقف الصغيرة التي تحمل رسالة واحدة: أنت هنا تحت التقييم باستمرار.
وقد تهدم كلمة واحدة مساحة من الأمان بُنيت خلال سنوات. يخبر الزوج زوجته بأمر يخجل منه، فتحتفظ به حتى يأتي خصام فتستحضره أمام أهله. أو تخبر الزوجة زوجها بمخاوف لا يعرفها غيره، فيستخدمها للسخرية منها عندما يغضب. قد ينتهي الخلاف بعد ساعات، وقد يعتذر الطرفان، لكن شيئًا آخر يكون قد أصيب: الأمان. وفي المرة القادمة سيفكر الإنسان مرتين قبل أن يكشف ضعفه.
ولهذا فإن حفظ الأسرار بين الزوجين ليس مجرد أدب اجتماعي، بل جزء من بناء السكن نفسه. فالإنسان لا يستطيع أن يطمئن إلى شخص يخشى أن تتحول خصوصيته عنده إلى قصة تُروى للأصدقاء والأقارب، أو مادة تستخدم ضده عند الغضب. وقد شددت السنة النبوية بصورة خاصة في حرمة إفشاء أسرار العلاقة الخاصة بين الزوجين.[2]
ولا يعني ذلك أن الخصوصية تتحول إلى قاعدة تمنع الزوجين من طلب المشورة عند الحاجة، ولا أن السكن يعني الصمت عن الخطأ حتى لا تنزعج النفوس. البيت الآمن ليس البيت الذي لا يختلف أهله؛ فهذا بيت غير موجود. البيت الآمن هو الذي يستطيع الزوجان أن يختلفا فيه دون أن يخاف أحدهما على كرامته أو مكانته أو استمرار العلاقة عند كل خلاف.
ومن هنا تأتي أهمية الطريقة التي نعاتب بها. هناك فرق كبير بين أن تقول لشريكك: «هذا التصرف آذاني»، وأن تقول: «أنت دائمًا هكذا ولن تتغير». الأولى تتحدث عن فعل يمكن مناقشته، والثانية تصدر حكمًا على الإنسان كله. وهناك فرق بين أن نختلف على قرار مالي، وبين أن يتحول الخلاف إلى إهانة للأسرة أو التعليم أو الشكل أو الماضي. فبعض الكلمات تتجاوز المشكلة التي قيلت بسببها، وتظل في الذاكرة بعد أن تنتهي المشكلة نفسها.
ومن أجمل ما يصنع السكن أن يعرف كل طرف أن الآخر في صفه. ولا يعني هذا الموافقة على كل ما يقول أو يفعل؛ فالحب لا يلغي الاختلاف. وإنما يعني أن يظل الشعور العميق حاضرًا: نحن لسنا خصمين، حتى حين نختلف. نحن شخصان في بيت واحد، وما يصيب أحدنا يمس الآخر.
وتظهر حقيقة هذا المعنى أكثر عندما تتغير الظروف. فالكلام عن الحب سهل في أيام الصحة والرخاء، لكن الحياة لا تبقى على صورة واحدة. قد يمرض أحد الزوجين، أو يفقد عمله، أو يتراجع دخله، أو يمر بفترة ضعف، أو يتقدم به العمر، أو يصبح أقل قدرة على تقديم ما كان يقدمه من قبل. وهنا يأتي أحد أصعب أسئلة العِشرة: هل يبقى الإنسان محبوبًا عندما يصبح أقل قدرة على العطاء؟
عرفت البيوت عبر التاريخ صورًا رائعة من الإجابة عن هذا السؤال؛ رجل يرعى زوجته في مرض طويل، وامرأة تقف إلى جوار زوجها حين يعجز أو يخسر، وزوجان يعبران ضيقًا ماليًا دون أن يحول أحدهما الآخر إلى متهم. ليست هذه مواقف خارقة، وإنما هي الصورة الأعمق للشراكة، حين تتحول كلمة «نحن» من ضمير لغوي إلى حقيقة تعاش.
ولعل من الجميل أن السكن جاء في آية الروم قبل المودة والرحمة: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فالحب يحتاج إلى أرض آمنة يعيش عليها. يصعب على الإنسان أن يقترب ممن يخشاه، وأن يبوح لمن لا يأمنه، وأن يجد الراحة في مكان يظل فيه مستعدًا للدفاع عن نفسه.
ولا يعني ذلك أن البيت يستطيع أن يغلق أبوابه في وجه تعب العالم. سيدخل إليه القلق والمرض وضيق المال، وستصل إليه ضغوط العمل واختلاف المزاج ومشكلات الأبناء وتقلبات الحياة. الفرق ليس في غياب هذه الأشياء، وإنما في السؤال: حين تدخل إلينا، هل نتعاون على مواجهتها، أم نصنع لبعضنا تعبًا جديدًا فوقها؟
وربما لهذا لا تكون أعظم البيوت تلك التي لا تعرف المشكلات، ولا تلك التي يملك أصحابها أكثر الأثاث جمالًا، وإنما تلك التي يستطيع الإنسان بعد يوم طويل أن يفتح بابها ويشعر أن وراءه شخصًا يعرف ضعفه وقوته، يعرف نجاحه وإخفاقه، رأى منه ما لا يراه الناس، ومع ذلك لا يزال مكانًا يأمن عنده.
عندها فقط يتحول البيت من عنوان نسكن فيه إلى سكن يسكن فينا.
وفي نهاية يوم طويل، قد لا يحتاج الإنسان إلى بيت أكبر، ولا إلى كلمات كثيرة.
قد يحتاج فقط إلى أن ينظر إلى شريك عمره ويشعر في داخله:
هنا أستطيع أن أطمئن.
المراجع
- ماريو ميكولينسر وفيليب ر. شيفر، «توجهات التعلق لدى البالغين وعمليات العلاقات»، مجلة نظرية الأسرة ومراجعتها، مج 4، ع 4 (2012): 259–274.
- أخرجه مسلم، صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة، حديث رقم 1437.



