يستيقظ الميل في الإنسان أحيانًا قبل أن يفهمه؛ يشعر بانجذاب، أو يفتقد القرب، أو يبحث عن السكن في شخص آخر. لكن من أين يأتي هذا الميل؟ أمن الجسد وحده، أم من النفس والذاكرة والمجتمع؟ وهل يكفي أن نعرف مصدر الرغبة لنحدد كيف ينبغي أن نتعامل معها؟
توزعت الإجابات عن هذه الأسئلة بين علوم ومذاهب متعددة؛ فنظر كل مجال إلى جانب من الإنسان، وحاول أحيانًا أن يفسر من خلاله الصورة كلها. غير أن الإنسان أوسع من أن يُختصر في هرمون، أو تجربة قديمة، أو عادة اجتماعية، أو فكرة فلسفية منفردة.
البيولوجيا: الجسد يوقظ الدافع
تنظر البيولوجيا إلى الميل الجنسي بوصفه جزءًا من نظام حيوي يرتبط بالتكاثر واستمرار النوع. وتبحث في أثر الهرمونات والدماغ والجهاز العصبي، وفي العمليات التي تنشّط الدافع أو تخففه.
وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة بين مستوى هرمون التستوستيرون والميل الجنسي، ولا سيما لدى الرجال، لكن هذه العلاقة لا تعمل بمعزل عن الصحة والعمر والحالة النفسية وطبيعة العلاقة والخبرة الشخصية. ويعرض بحث منشور بعنوان «التستوستيرون والميل الجنسي: مراجعة للأدلة» جانبًا من هذه العلاقة.
فالجسد يهيئ الدافع، لكنه لا يكتب وحده القصة التي سيعيشها الإنسان، ولا يحدد الطريقة التي سيعبّر بها عن ميله.
علم النفس: الرغبة جزء من قصة الإنسان
يقترب علم النفس من التجربة الداخلية: كيف يعيش الإنسان رغبته؟ وكيف تؤثر صورته عن نفسه، وشعوره بالأمان، وخبراته السابقة، وطبيعة علاقاته، في طريقة بحثه عن القرب؟
رأى سيغموند فرويد أن الطاقة الجنسية، التي سمّاها «الليبيدو»، قوة مؤثرة في نمو الشخصية والسلوك، وقدم تصوره بصورة مبكرة في كتابه «ثلاث مقالات في النظرية الجنسية». غير أن مدارس نفسية لاحقة رفضت اختزال الدوافع الإنسانية في الرغبة الجنسية، وأعطت مساحة أوسع للحاجة إلى التعلق والأمان والتقدير والانتماء والمعنى.
وتنظر بعض النماذج النفسية الحديثة إلى الاستجابة الجنسية بوصفها نتيجة توازن بين قوتين: قوة تدفع الإنسان نحو الاقتراب والاستثارة، وأخرى تدعوه إلى التوقف والحذر. ويختلف هذا التوازن بين الناس، كما يتأثر بالقلق والثقة والضغط النفسي وطبيعة العلاقة والنتائج المتوقعة. وقد تناولت مراجعة علمية لنموذج التحكم المزدوج الدراسات المنشورة حول هذا النموذج بين عامي 2009 و2022.
وهذا يساعدنا على فهم سبب تفاوت الميل من شخص إلى آخر، وتغيّر قوته لدى الشخص نفسه تبعًا لحالته النفسية وظروف حياته.
علم الاجتماع: المجتمع يمنح الرغبة لغتها
لا يعيش الإنسان رغبته في فراغ. فمنذ طفولته يتعلم من الأسرة والأصدقاء والتعليم والإعلام ما الذي يُعد جميلًا أو مقبولًا، وكيف تُفهم المحبة والزواج والرجولة والأنوثة، وما السلوك المتوقع من كل طرف.
استخدم عالما الاجتماع ويليام سايمون وجون غانيون مفهوم «النصوص الاجتماعية»؛ فالمجتمع يقدم للناس صورًا وتوقعات يتعلمون من خلالها تفسير مشاعرهم والتصرف حيالها. ويمكن الرجوع إلى دراستهما «النصوص الجنسية: النشأة والتأثيرات والتحولات».
لكن تأثير المجتمع لا يعني أنه يخلق الميل من العدم. فالثقافة قد توجه التعبير عنه، أو تثيره، أو تبالغ فيه، أو تضع له حدودًا، لكنها لا تلغي أساسه الحيوي. ولهذا لا يكفي تفسير الميل بالبيولوجيا وحدها، كما لا يصح اعتباره مجرد صناعة اجتماعية. الحقيقة أقرب إلى التفاعل: جسد يستجيب، ونفس تتذكر، وثقافة تفسر، وإرادة تختار.
الفلسفة: هل كل ما نرغب فيه يستحق أن نفعله؟
لا تكتفي الفلسفة بالسؤال عن مصدر الميل، بل تنتقل إلى معناه: هل الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يرغب فيه؟ أم أن الحرية الأعمق هي قدرته على اختيار ما يراه خيرًا، حتى حين تدعوه الرغبة إلى غيره؟ وهل يتعامل الإنسان مع الآخر بوصفه شخصًا له كرامته، أم وسيلة لإشباع حاجة عابرة؟
ركزت بعض الفلسفات الحديثة على تحرير الرغبة من القيود الموروثة، ورأت في عدد من المحرمات أثرًا للسلطة والمجتمع. ودرس ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنسانية» أثر اللغة والمؤسسات والمعرفة والسلطة في الطريقة التي يفهم بها الإنسان ذاته ورغباته.
وقد أسهم هذا الاتجاه في كشف صور من القمع والاستغلال، لكنه ترك سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الرغبة مرجعًا لنفسها، فمن يحمي الضعيف والطفل والأسرة، وحقوق الذين يتحملون نتائج العلاقات؟
الدين: الميل طاقة تحتاج إلى غاية
يقدم الدين زاوية مختلفة؛ فهو لا ينكر الجسد، ولا يعد الميل خطيئة في ذاته، لكنه لا يجعله المرجع الأعلى للإنسان.
في التصور الإسلامي خُلقت الشهوة لحكمة، وجُعل الزواج طريقًا للسكن والمودة والرحمة واستمرار الحياة، كما قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
فالمطلوب ليس قتل الميل، وإنما تهذيبه وتوجيهه؛ لأن قيمة الإنسان لا تظهر في غياب الرغبة، بل في الطريقة التي يديرها بها، وفي قدرته على الجمع بين حق الجسد وكرامة الإنسان ومسؤوليته تجاه غيره.
ونظر أبو حامد الغزالي إلى الشهوة بوصفها قوة ضرورية لاستمرار الحياة، لكنها تحتاج إلى ميزان العقل والشرع؛ فإذا أُلغيت تعطلت وظيفتها، وإذا تُركت بلا ضابط استعبدت صاحبها. ويمكن الاطلاع على عرضه في كتاب كسر الشهوتين من «إحياء علوم الدين».
وهذا التوازن من أجمل ما يميز المنهج الإسلامي؛ فهو لا يحتقر الجسد، ولا يقدسه، وإنما يضعه في موضعه داخل الإنسان الكامل.
التفسير لا يعني التبرير
يقدم كل مجال جزءًا من الحقيقة: تخبرنا البيولوجيا كيف يتحرك الدافع، ويكشف علم النفس كيف نعيشه، ويبين علم الاجتماع كيف تتشكل لغته، وتسأل الفلسفة عن حريته ومعناه، ويمنحه الدين غاية وميزانًا أخلاقيًا.
لكن معرفة مصدر الميل لا تكفي للحكم على كل سلوك ينشأ عنه؛ فهناك فرق بين تفسير الرغبة وتبرير الاستجابة لها. والعلوم تستطيع أن تصف جانبًا مما هو كائن، لكنها لا تقرر وحدها ما ينبغي أن يكون، ولا تجيب بمفردها عن أسئلة الخير والكرامة والمسؤولية والعدل.
وهنا يبرز دور الفطرة في التصور الإسلامي، لا بوصفها شعورًا عابرًا، بل استعدادًا أصيلًا لمعرفة الحق والخير. وقد يعتري هذا الاستعداد شيء من الغبش بفعل الشهوة أو العادة أو ضغط البيئة، فتأتي الرسالات الإلهية لتذكّر الإنسان بما فُطر عليه، وتمنحه الميزان الذي يراجع به رغباته واختياراته.
إن فهم الميل يعين الإنسان على إدارته، لكنه لا يعفيه من مسؤوليته. فليست قيمة الإنسان في أنه لا يرغب، وإنما في أنه يعرف أي رغبة تستحق أن تُتبع، وأي رغبة تحتاج إلى تهذيب أو مقاومة.
وبهذا تتحول الغريزة من قوة قد تقود إلى الفوضى والاستغلال، إلى طاقة تبني أسرة، وتصنع سكنًا، وتحفظ الكرامة، وتمنح الحياة امتدادها الإنساني الكريم.
المراجع
- في نغوين، وأوستن ليونارد، وتونغ-تشين هسيه، «التستوستيرون والميل الجنسي: مراجعة للأدلة»، علم الذكورة، مج. 3، 2022.
- إريك يانسن وجون بانكروفت، «نموذج التحكم المزدوج في الاستجابة الجنسية: مراجعة استكشافية للأبحاث من 2009 إلى 2022»، مجلة بحوث الجنس، مج. 60، ع. 7، 2023.
- ويليام سايمون وجون هـ. غانيون، «النصوص الجنسية: النشأة والتأثيرات والتحولات»، علم الاجتماع النوعي، مج. 26، 2003.
- سيغموند فرويد، ثلاث مقالات في النظرية الجنسية: طبعة 1905، ترجمة أولريكه كيستنر، فيرسو، 2017.
- ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية، الجزء الأول: إرادة المعرفة، ترجمة روبرت هيرلي، بانثيون، 1978.
- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين: كتاب كسر الشهوتين، دار المعرفة، بيروت.



