الإنسان… الكائن الذي يتعلّم

بدأ لا يعلم شيئًا… ثم تعلّم كيف يغيّر العالم

تأمل طفلًا في أيامه الأولى؛ يأتي إلى الحياة لا يعرف اسم أمه، ولا اللغة التي سيتحدث بها، ولا الطريق إلى بيته، ولا كيف يأكل بيده أو يرتدي ثيابه. لا يعرف شيئًا عن النار والماء والأرقام والزمن، فضلًا عن السيارة والطائرة والهاتف والحاسوب. ثم تبدأ رحلة مدهشة؛ يسمع وينظر ويقلد، ويحاول ويخطئ ويعيد المحاولة، ويسأل، حتى يكتسب خلال سنوات قليلة قدرًا هائلًا من المعارف والمهارات التي لم يكن يملك منها شيئًا عند ولادته.

يلخص القرآن هذه البداية الإنسانية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. وفي بداية القصة الإنسانية نفسها يحضر التعليم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. فالإنسان لا يأتي إلى الدنيا حاملًا تفاصيل المعرفة التي سيحتاج إليها، وإنما يأتي مزودًا بقدرات تمكنه من التعلم، ويجد أمامه كونًا واسعًا للنظر والملاحظة والاكتشاف. ولهذا يوجهه القرآن إلى السير والنظر: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20].

ولم يحتج الإنسان إلى مدرسة بالمعنى الذي نعرفه اليوم حتى يبدأ هذه الرحلة. كان العالم من حوله أول ميادين تعلمه؛ راقب النبات والحيوان والفصول، واختبر المواد التي وجدها حوله، وتعلم من نجاحه وفشله، ثم نقل ما عرفه إلى أبنائه ومن حوله. وهنا حدث شيء بالغ الأهمية: لم تبدأ الأجيال من الصفر. فما تعلمه جيل انتقل بعضه إلى الجيل التالي، فأضاف إليه وسلمه بدوره لمن جاء بعده.

ولعل تاريخ وسائل النقل يقدم صورة واضحة لهذا التراكم. لم يعرف الإنسان الأول السيارة أو القطار أو الطائرة، ولم يكن الذي صنع عربة بدائية يتصور مركبة تقطع مئات الكيلومترات في ساعات. ومع ذلك لم يظهر كل اختراع من فراغ؛ استعان الإنسان بالحيوان، وصنع العربات والسفن، ثم طور المحركات والقطارات والسيارات والطائرات. وكل مرحلة استفادت مما سبقها، ثم أضافت شيئًا جعل المرحلة التالية ممكنة.

والأمر نفسه نراه في وسائل الاتصال. انتقل الخبر أولًا بالصوت والمشافهة، ثم حملت الكتابة كلام الإنسان إلى أماكن وأزمنة أبعد، وتطورت وسائل البريد، ثم جاء التلغراف والهاتف والراديو والأقمار الصناعية والإنترنت. واليوم يستطيع إنسان في ماليزيا أن يرى ويتحدث في اللحظة نفسها مع إنسان في اليمن أو أمريكا أو أي مكان آخر متصل بالشبكة. المسافة التي كانت تحتاج إلى رحلة طويلة أصبح عبورها، في كثير من صور الاتصال والمعرفة، لا يستغرق إلا ثواني.

وحتى الكهرباء التي تقوم عليها تفاصيل واسعة من حياتنا المعاصرة لم تكن اكتشاف رجل واحد ظهر فجأة في لحظة منفصلة عن التاريخ. إنها حصيلة سلسلة طويلة من الملاحظات والتجارب والاكتشافات والتطبيقات، شارك فيها علماء ومخترعون متعاقبون؛ أخذ كل واحد منهم شيئًا مما وصل إليه من سبقه، ثم أضاف إليه. وهكذا كان شأن الطب والهندسة والزراعة والبناء وغيرها من مجالات الحضارة. فكل ما وصلنا إليه ليس نهاية الطريق، وإنما آخر نقطة وصل إليها الطريق حتى الآن.

وقد يظهر في هذه الرحلة إنسان يرى ما لم يره الآخرون، أو يطرح سؤالًا لم يخطر لهم، أو تقوده ملاحظة إلى فكرة جديدة. غير أن الفكرة وحدها لا تصنع علمًا ولا حضارة؛ فهي تحتاج إلى ملاحظة وتجربة واختبار وعمل، وغالبًا ما يبدأ صاحبها من معرفة صنعها آخرون قبله. فالإنسان لا يخلق قوانين الكون، وإنما يكتشف شيئًا من السنن التي أودعها الله فيه، مستعينًا بما وهبه الله من عقل وحواس وقدرة على النظر والتجربة، ثم يتعلم كيف ينتفع بما اكتشفه.

وهنا تظهر واحدة من أعظم خصائص المعرفة الإنسانية: التعلم التراكمي. فالإنسان لا يتعلم ممن يعيشون حوله فقط، بل يستطيع أن يجلس اليوم فيتعلم من إنسان مات قبل مولده بمئات أو آلاف السنين. حفظت اللغة والكتابة والكتب والمؤسسات المعرفية خبرات البشر، فأصبح الجيل الجديد قادرًا على أن يتسلم حصيلة رحلة طويلة لم يعشها بنفسه، ثم يراجعها ويطورها ويضيف إليها.

ولهذا لم تعد مهمة التعليم أن يجعل كل طفل يعيد رحلة البشرية من بدايتها. طالب الفيزياء لا يحتاج إلى أن يعيد وحده اكتشاف قوانين استغرق الوصول إليها قرونًا، والطبيب لا يبدأ الطب من تجارب الإنسان الأولى، والمهندس لا يعيد في كل جيل اختراع أدوات البناء. التعليم يمنح الإنسان فرصة استثنائية: أن يتعلم خلال سنوات ما احتاجت البشرية إلى قرون حتى تصل إليه، ثم يبدأ هو من تلك النقطة.

وهذا ربما يكون أحد أجمل معاني التعليم وأعمقها: أن يختصر للإنسان مسافة الماضي، ليبدأ من حيث وصل الآخرون، ثم يهيئه ليذهب إلى مكان لم يصلوا إليه.

فالغاية ليست أن نحشو عقل المتعلم بما عرفه السابقون، وإنما أن نعطيه من معرفتهم ما يجعله قادرًا على مواصلة الرحلة. وكل جيل لا يحتاج فقط إلى من يحفظ ما وصل إليه البشر، بل إلى من يسأل سؤالًا جديدًا، ويجرب طريقًا جديدًا، ويكتشف ما لم يكن معروفًا من قبل. وبذلك لا تكون المعرفة ميراثًا نتلقاه فحسب، بل أمانة نضيف إليها قبل أن نسلمها لمن يأتي بعدنا.

وإذا كان الإنسان قد تعلّم وبنى وراكم المعرفة منذ زمن بعيد، فإن سؤالًا يستحق أن نتوقف عنده يفرض نفسه: كيف تعلّم البشر قبل أن تصبح المدرسة بصورتها المعروفة اليوم الطريق الغالب إلى التعليم؟ وكيف خرج من تلك البيئات علماء ومفكرون وحرفيون ومبدعون أسهموا في بناء الحضارة؟

إنها حكاية تذكرنا بحقيقة بسيطة ربما حجبتها عنا شدة الألفة بالمدرسة: لقد بدأ الإنسان يتعلّم قبل أن يبني المدرسة، وبنى المدرسة لأنه كان كائنًا يتعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top