الفجوة بين سرعة الحياة وبطء النظام التعليمي
يدخل الطفل المدرسة اليوم حاملًا جهازًا صغيرًا يستطيع من خلاله الوصول إلى مكتبات العالم، ثم يجلس في مقعد ينتظر أن ينقل إليه المعلم معلومة مكتوبة في كتاب مقرر. يعيش خارج المدرسة في عالم سريع ومتصل ومتعدد المصادر، ثم يدخل إليها ليجد المعرفة مقسمة إلى حصص، والطلاب موزعين بحسب أعمارهم، والتعلّم محكومًا بجرس يعلن بدايته ونهايته.
هذه المفارقة لا تعني أن المدرسة لم تتغير. فقد تحسنت مبانيها، وتطورت كتبها، ودخلت إليها الشاشات والمختبرات والمنصات، وتغيرت طرائق التدريس في كثير من البلدان. كما حققت المدرسة الحديثة إنجازًا تاريخيًّا لا يجوز تجاهله؛ إذ وسعت فرص القراءة والكتابة، ونقلت العلم من دوائر محدودة إلى جماهير واسعة، وأسهمت في إعداد أجيال بنت الطب والهندسة والاقتصاد وسائر مؤسسات الحياة المعاصرة.
غير أن التغيير طال الأدوات أكثر مما طال البنية. فما يزال الطلاب المتقاربون في العمر يدخلون صفًّا واحدًا، ويدرسون محتوى متشابهًا في مدة متساوية، ثم يؤدون امتحانًا واحدًا، وينتقلون معًا إلى الصف التالي. قد توجد بينهم فروق كبيرة في السرعة والاهتمام والاستعداد، ومع ذلك يعاملهم النظام كما لو أن تشابه أعمارهم يعني تشابه عقولهم.
وقد وصف الباحثان ديفيد تاياك ولاري كيوبان هذه العناصر المتجذرة بأنها «قواعد المدرسة»؛ أي الصورة التي اعتادها المجتمع حتى أصبح من الصعب تصور المدرسة من دون صفوف عمرية، ومواد منفصلة، ومعلم يقف أمام مجموعة، ووقت مقسم، واختبارات وشهادات. واستطاعت محاولات الإصلاح المتعاقبة تغيير أشياء كثيرة، بينما بقيت هذه القواعد الأساسية أكثر مقاومة للتغيير.
ولهذا قد تدخل التقنية الحديثة إلى الفصل، ثم تُستخدم لأداء الوظيفة القديمة نفسها. تتحول السبورة السوداء إلى سبورة ذكية، ويبقى المعلم يتحدث والطلاب يستمعون. ينتقل الكتاب من الورق إلى الشاشة، وتظل الصفحات والمقرر والاختبار كما هي. يصبح الواجب إلكترونيًّا، غير أنه يطلب من الطالب الإجابة نفسها بالطريقة نفسها. لقد تغير الوعاء، بينما بقيت فلسفة العمل مستقرة.
وتظهر الفجوة بصورة أوضح حين ننظر إلى عالم المهن. فكثير من الأعمال التي سيدخلها أطفال اليوم لم تستقر صورتها بعد، وبعض المهارات تتغير في سنوات قليلة. قد يبدأ الطالب دراسة تخصص تقني، ثم يتخرج ليجد أن الأدوات التي تدرب عليها أصبحت قديمة، وأن سوق العمل يطلب القدرة على التعلم المستمر أكثر مما يطلب حفظ معرفة ثابتة.
وفي المقابل، قد يتعلم شاب مهارة في التصميم أو البرمجة أو الإعلام خلال مدة قصيرة، ويمارسها في مشروعات حقيقية، ويصبح أكثر قدرة على الإنتاج من خريج أمضى سنوات في دراسة نظرية بعيدة عن الميدان. ليست المشكلة في الجامعة، ولا في المعرفة النظرية؛ فالنظرية تمنح الممارسة فهمًا وعمقًا. المشكلة في افتراض أن عدد السنوات يضمن القدرة، وأن طريقًا نظاميًّا واحدًا يصلح لكل متعلم ولكل مهنة.
حتى الزمن المدرسي ما يزال يعامل التعلّم كأنه يحدث في وقت محدد. تفتح المدرسة صباحًا وتغلق بعد الظهر، مع أن الطالب يستطيع أن يتعلم في البيت والمكتبة والملعب والمزرعة والمصنع، وعبر معلم يبعد عنه آلاف الأميال.
ليس السؤال: هل نلغي المدرسة؟ بل: لماذا نحصر التعليم كله فيها، ثم نحصر المدرسة نفسها في جدران وجدول وكتاب؟
لقد دعت اللجنة الدولية لمستقبل التربية إلى إعادة التفكير في العلاقات بين المتعلم والمعلم والمعرفة والعالم، وإلى توسيع فضاءات التعليم بحيث لا تبقى المدرسة وحدها موضع التعلّم، مع الحفاظ عليها مؤسسة عامة تؤدي دورًا اجتماعيًّا وإنسانيًّا مهمًّا.
وهذه نظرة متوازنة؛ فالمدرسة ليست بناءً ينبغي هدمه، وإنما فكرة ينبغي تحريرها من حدودها الضيقة. نحن لا نحتاج إلى مدرسة أقل أهمية، بل إلى مدرسة أكثر مرونة وانفتاحًا على الحياة، تعترف بأن التعلّم يمكن أن يحدث في أماكن متعددة، وبسرعات مختلفة، ومن خلال مسارات متنوعة.
العالم الجديد لا يحتاج إلى مدرسة أكثر امتلاءً بالأجهزة فحسب، بل يحتاج إلى فهم جديد للزمن والمكان والمنهج ودور المتعلم. يحتاج إلى تعليم ينظر إلى الطالب بوصفه إنسانًا له قدراته واهتماماته وسرعته الخاصة، لا رقمًا يجلس في صف وينتظر نهاية العام.
وحين تتغير الشاشة ويبقى كل ما وراءها كما كان، فنحن لا نصنع تعليمًا جديدًا؛ وإنما نمنح المدرسة القديمة ثوبًا حديثًا. أما التجديد الحقيقي فيبدأ عندما نسأل: ماذا يحتاج هذا الإنسان في زمانه؟ ثم نبني التعليم حوله، بدل أن نطالبه بأن يقضي عمره متكيفًا مع قالب صُنع لزمان آخر.
المراجع
تاياك، ديفيد، ولاري كيوبان. الترقيع نحو المدينة الفاضلة: قرن من إصلاح المدارس العامة. كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد، 1995.
اللجنة الدولية لمستقبل التربية. إعادة تصور مستقبلنا معًا: عقد اجتماعي جديد للتربية والتعليم. باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، 2021.




اشكرك على هذا التنوير
وياليت ترسل لنا بالمراجع المذكورة أعلاه اذا لم يكن لديك مانع