الغريزة الجنسية

لماذا أودع الله في الإنسان هذا الميل القوي؟ وهل الغريزة هي الرغبة نفسها، أم أن بينهما فرقًا؟ وما الذي يشترك فيه الإنسان مع سائر الأحياء، وما الذي يميزه عنها؟ وهل كل ما يشعر به الإنسان يصبح أمرًا واجب الاتباع، أم أن حريته تبدأ حين يختار كيف يوجّه ما يشعر به؟

يولد الإنسان وفي داخله استعدادات تدفعه إلى ما يحفظ حياته؛ فالجوع يدعوه إلى الغذاء، والخوف ينبهه إلى الخطر، والحاجة إلى الآخرين تقوده نحو الجماعة، والدافع الجنسي يصل وجوده بامتداد الأجيال. وليس معنى ذلك أن الإنسان يولد حاملًا سلوكًا جنسيًّا مكتملًا، بل يولد باستعداد فطري يظهر وينمو في وقته، ويتأثر بالجسد والعمر والصحة والحالة النفسية والبيئة التي يعيش فيها. ويؤكد الإسلام هذا الأصل الفطري في قول النبي ﷺ: ” ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”[1]، وهو ما يدل على أن الأصل في الإنسان سلامة الفطرة، ثم تأتي التربية والبيئة والثقافة لتوجه هذه الفطرة أو تؤثر في مسارها.ونطلق على هذا الاستعداد عادةً «الغريزة الجنسية»، لكن الكلمة تحتاج إلى شيء من التوضيح. فالغريزة أصل كامن في التكوين، وليست أمرًا طارئًا يمر بالإنسان ثم يزول. أما الرغبة فهي ظهور ذلك الاستعداد في صورة ميل يشعر به الإنسان ويتجه به نحو غاية معينة. وقد توجد الغريزة من غير أن تكون الرغبة حاضرة في كل وقت، كما قد تقوى الرغبة أو تضعف تبعًا لظروف الإنسان.

أما الشهوة فهي اشتداد الميل وطلب إشباعه. وقد عرّفها الراغب الأصفهاني بأنها نزوع النفس إلى ما تريده.[2] ومن هنا لا تكون الغريزة والرغبة والشهوة كلمات متطابقة: فالغريزة هي الأصل، والرغبة هي الميل حين يحضر في النفس، والشهوة هي قوة ذلك الميل حين يشتد.

وهذا التمييز ليس لغويًّا فحسب؛ بل يساعدنا على فهم الإنسان فهمًا أعمق. فوجود الغريزة لا يعني حضور الرغبة دائمًا، وحضور الرغبة لا يعني أن الإنسان مضطر إلى اتباعها، واشتداد الشهوة لا يلغي قدرته على التوقف والتفكير. قد لا يختار الإنسان كل شعور يمر به، لكنه يملك مساحة يختار فيها ما يفعله بذلك الشعور.

وفي عالم الأحياء يرتبط الدافع الجنسي بوظيفة ظاهرة هي التكاثر واستمرار الأنواع. وفي التكاثر الجنسي تجتمع مادة وراثية من أبوين، فتظهر تراكيب مختلفة في الأبناء، ويسهم هذا الاختلاف في التنوع داخل الجماعات الحية. ولا يعني ذلك أن كل اختلاف نافع، أو أن التكاثر الجنسي هو الطريق الوحيد لاستمرار الحياة؛ فالكائنات تعرف صورًا متعددة من التكاثر. لكن مزج المادة الوراثية وإعادة تركيبها يمنحان الأجيال قدرًا من التنوع قد يساعدها على مواجهة تغيرات البيئة والضغوط المختلفة.[3] وهذا يفسر جانبًا من وجود الغريزة، لكنه لا يفسر وحده الطريقة التي يعيشها الإنسان بها.

وقد التفت أبو حامد الغزالي إلى الصلة بين الشهوة وبقاء النوع الإنساني، فرأى أن الله جعلها قوة تدفع الإنسان إلى الطريق الذي يستمر به النسل.[4] فالدافع الذي يعيشه الفرد شعورًا خاصًّا يؤدي في الصورة الكبرى وظيفة تتجاوز الفرد نفسه؛ إذ يشارك من خلاله في بقاء الحياة وامتدادها.

لكن الإنسان، وإن اشترك مع سائر الأحياء في أصل هذه الوظيفة، لا يعيش غريزته بالطريقة نفسها. فهو لا يتحرك استجابةً لجسده وحده؛ بل تصاحبه ذاكرة تستعيد، وخيال يتصور، وعقل يوازن، ولغة تمنح المشاعر أسماءً ومعاني. وهو يستطيع أن يتوقع نتائج أفعاله، وأن يسأل قبل الإقدام عليها: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وهل أظلم أحدًا؟ وهل أقبل أن أتحمل ما يترتب على اختياري؟

وتدخل الثقافة كذلك في تشكيل الطريقة التي يفهم بها الإنسان رغبته ويعبّر عنها. فالمجتمع لا يخلق أصل الغريزة، لكنه يشارك في توجيهها من خلال التربية والعرف والدين والقانون. كما يتعلم الإنسان من بيئته ضبط الرغبة واحترام الآخر، كما قد يتعلم منها الاستهانة بالجسد أو النظر إلى الإنسان بوصفه وسيلة للإشباع. ولهذا لا تعمل الغريزة الإنسانية في فراغ، بل تتفاعل دائمًا مع ما يتلقاه الإنسان من أفكار وقيم وصور.

وهنا يظهر الفارق الأهم بين الدافع والفعل. فالدافع يحدث في داخل الإنسان، أما الفعل فيخرج منه إلى العالم ويترك أثره في غيره. ولهذا لا يصح أن نجعل كل رغبة حقًّا، ولا أن نجعل مجرد الشعور بها خطيئة. إنما تبدأ المسؤولية حين يختار الإنسان الطريق الذي يسلكه، وحين تتصل حريته بحقوق الآخرين وكرامتهم.

وفي الرؤية الإسلامية ليست الشهوة شرًّا في أصلها، ولا الجسد موضع احتقار؛ فقد قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: 14]، فذكر وجود الميل في طبيعة الإنسان، ثم وجّه اختياراته ووضع لها حدودًا. فالمطلوب ليس إلغاء الغريزة، وهو أمر لا يستقيم مع الفطرة، وإنما تهذيبها حتى تؤدي غايتها من غير ظلم أو استغلال أو ضياع.

وهذا التهذيب لا يعني أن يعيش الإنسان في خصومة مع نفسه؛ بل أن يفهم ما يجري داخله، وألا يختزل ذاته في لحظة رغبة. فالإنسان أوسع من شهوته، وأكرم من أن يصبح أسيرًا لها؛ ومن الحكمة أن يقال له: كن قائدًا لنفسك، لا عبدًا لشهواتك تقودك حيث تشاء.

وليست القوة دائمًا في الإقدام؛ فقد تكون في القدرة على التوقف، وتأجيل الإشباع، واختيار الطريق الذي ينسجم مع القيم والعواقب.

إن الغريزة تمد الحياة بطاقة الاستمرار، لكنها لا تحدد وحدها شكل العلاقة ولا معناها. وبين ميل يظهر في الجسد، وفعل يقع في الواقع، تقف مساحة الوعي والضمير والاختيار. وفي هذه المساحة تبدأ إنسانية الإنسان: لا حين ينكر فطرته، ولا حين يستسلم لكل ما تدعوه إليه، بل حين يصغي إليها ويفهمها ثم يمنحها الاتجاه الذي يصون كرامته وكرامة غيره.

لكن الغريزة، مهما بلغت قوتها، لا تفسر وحدها قصة الإنسان. فهي قد تفسر لحظة الانجذاب، لكنها لا تفسر لماذا بقي رجل مع امرأة، ولماذا تحوّل الميل العابر إلى عهد، والرغبة المؤقتة إلى مسؤولية، واللقاء القصير إلى حياة مشتركة. هنا يبدأ سؤال جديد، وربما كان من أهم أسئلة هذا الكتاب: كيف وُلد الارتباط الإنساني؟


[1] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، حديث رقم 1385. مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، حديث رقم 2658.

[2] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي (دمشق وبيروت: دار القلم والدار الشامية، 1992)، مادة «شهو». بيانات الكتاب

[3] سارة ب. أوتو، «اللغز التطوري للتكاثر الجنسي»، ذا أمريكان ناتشراليست 174، الملحق 1 (2009): S1–S14، https://doi.org/10.1086/599084. ملخص الدراسة

[4] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين (بيروت: دار المعرفة، د.ت.)، ج2، كتاب آداب النكاح، الباب الأول، الفائدة الأولى. النص المرجعي

من كتاب : حرية الجسد…وقداسة الميثاق د.عبدالقوي القدسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top