أَبُو هِشَامٍ المُزَيَّفُ وَفَخُّ السَّحَابِ الرَّقَمِيِّ

فخاخ الحقيقة تُسقط أبا هشام المُزيَّف!

في دهاليز الحذر ومساعي كتمان التعدد، لجأ صديقي صالح إلى حيلةٍ ظنها عبقريةً لا تخطر على بال؛ إذ حفظ رقم زوجته الجديدة في هاتفه باسم صديقٍ له يُدعى أبو هشام. فكان كلما رن الهاتف وظهر اسم أبو هشام على الشاشة، أجاب بوقارٍ مصطنع: “أهلًا يا أبا هشام، نعم… نعم… سألقاك لاحقًا”. استمرت الحيلة مدةً من الزمن، غير أن يقظة الزوجة الأولى جعلتها تستغرب كثرة اتصالات هذا الصديق. وفي لمحةٍ عابرة على شاشة الهاتف، وقعت عيناها على رموزٍ عاطفية تتطاير بجوار اسم أبي هشام!

تملَّك الشك قلب الزوجة؛ فمن هذا الصديق الوقور الذي يرسل إلى زوجها عبارات الغرام والرموز العاطفية؟! وفي لحظة غفلة، وقع الهاتف في يدها، ففتحت الرسائل، لتجد فيضًا من مشاعر الحب والوعود التي لا تليق بأبي هشام الحقيقي. انفجر بركان الغيرة، وانكشفت الخدعة، وعلمت بزواج صالح الثاني، لتنتهي حيلة “التسمية المستعارة” بأزمةٍ عويصة غادرت على إثرها الزوجة إلى بيت أهلها، غاضبةً من هذا الخداع الطريف والمؤلم.

وعلى النهج نفسه من الحذر الذي لم يُجدِ نفعًا، وقع صديقي حميد في مأزقٍ آخر؛ إذ قرر التعدد، واشترى هاتفًا جديدًا وشريحةً سرية، واحتفظ فيه بصور زفافه وعرسه الجديد، وظن أنه استطاع أن يفصل حياته الجديدة تمامًا عن بيته الأول. غير أنه غفل عن أحد تبعات التزامن الرقمي؛ إذ كان الهاتفان مرتبطين بحساب بريدٍ إلكتروني واحد.

وفي أحد الأيام، تعطل هاتف حميد، فاحتاج إلى مساعدة ابنه الشاب لفتح البريد الإلكتروني وترتيب بعض الملفات. دخل الابن، ببراءة، إلى الحساب، وفجأة… انفتحت أمامه سحابة الصور، فرأى والده بملابس العرس في حفل زفافٍ جديد إلى جانب امرأةٍ أخرى! سارع الابن، مصدومًا، إلى إبلاغ والدته، لتشتعل أزمةٌ أسرية كبرى احتاج حميد بعدها إلى أشهرٍ طويلة من العناء ومحاولات الترضية لترميم ما خلَّفته من شروخٍ عميقة.

─── ◆ ───

توقفنا هاتان النادرتان الطريفتان أمام درسٍ تربوي وإداري بالغ الأهمية؛ وهو أن حبال الحيل الرقمية قصيرة، وأن محاولة بناء حياةٍ جديدة بالاختباء خلف الأسماء المستعارة أو الهواتف السرية مآلها الانكشاف، مهما بدا التخطيط محكمًا. فقد يظن الرجل، تحت ضغط الكتمان، أنه ابتكر وسيلةً ذكية لحماية أسراره، لكنه يغفل أن التناقضات الصغيرة كثيرًا ما تكشف ما تحاول الحيل إخفاءه، وأن التقنيات الحديثة تجمع التفاصيل في مكانٍ واحد، فتجعل احتمال الانكشاف أقرب مما يتصور.

وتلفت هذه القصة الانتباه إلى أن الوضوح والصدق هما الطريق الأكثر أمانًا في إدارة العلاقات، وأن المداراة القائمة على الخداع لا تؤجل المشكلة، بل تزيدها تعقيدًا وعمقًا. فالزوجة الأولى قد تتمكن من استيعاب خبر التعدد، لكنها غالبًا ما تجد الخداع أشد إيلامًا من الحدث نفسه؛ إذ تشعر بأنها كانت ضحية استغفال، لا شريكةً في مواجهة الحقيقة. لذلك، فإن التأسيس للتعدد يتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة وتحمل المسؤولية، ومواجهة الواقع بصدقٍ ووضوح، لا الاحتماء بالأسماء المستعارة أو الهواتف الخفية. فالحقيقة قد تتأخر، لكنها نادرًا ما تغيب، وقد تنكشف من تفصيلٍ صغير لم يكن في الحسبان، أو من صورةٍ عفوية، أو رسالةٍ أُرسلت إلى غير وجهتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top