فَخُّ الزَّوَاجِ الْعَابِرِ لِلثَّقَافَاتِ

قد تجمع المحبة بين شخصين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، فيظنان أن صدق المشاعر كفيل بإذابة الفوارق وتجاوز العقبات. غير أن الزواج لا يقوم في فضاء العاطفة وحدها؛ فهو حياة يومية تتقاطع فيها القيم والعادات والتوقعات وطرائق التفكير وإدارة المال وتربية الأبناء والعلاقة بالعائلتين.

حدثني عبدالقادر عن تجربة زواج ما زالت آثارها تؤلمه. ارتبط بامرأة تنتمي إلى ثقافة مختلفة، وكان يعتقد أن المحبة التي جمعتهما ستكون أقوى من كل ما يفرقهما. لكن الصورة تغيرت بعد الزواج؛ إذ اكتشف أن التقارب العاطفي لا يعني بالضرورة التوافق في تفاصيل الحياة.

لم يشعر أنه يعيش الحياة الزوجية التي تخيلها، بل بدا له أنهما يتقاسمان السكن، بينما يعيش كل واحد منهما في عالمه الخاص. كانت أولويات زوجته ونمط حياتها وطريقتها في إدارة شؤون البيت مختلفة عما نشأ عليه، وكانت هي كذلك تنظر إلى الحياة من خلال بيئة أخرى وتصورات مغايرة.

ولم تكن خلافاتهما تدور دائمًا حول قضايا كبيرة، وإنما بدأت من تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم: طريقة الإنفاق، وتنظيم المنزل، وحدود الخصوصية، والعلاقة بالأهل، وكيفية التعبير عن الاهتمام، وما ينتظره كل طرف من الآخر. وبمرور الوقت تراكمت هذه التفاصيل، وتحولت إلى مصدر دائم للتعب والاغتراب، حتى ضعفت المودة وانتهت الرحلة بانفصال مؤلم، وسفر اضطر إليه، وفقدان حضانة ابنته.

تكشف هذه التجربة أن الزواج العابر للثقافات ليس محكومًا بالفشل، فقد تنجح زيجات كثيرة من هذا النوع وتكون غنية بالتنوع والتكامل. لكن نجاحها يحتاج إلى وعي أكبر واستعداد أعمق؛ لأن الزواج هنا لا يجمع شخصين فحسب، بل يقرّب بين عالمين قد يختلفان في أشياء لا تظهر بوضوح خلال فترة التعارف.

وقد يظن كل طرف أن طريقته في الحياة طبيعية ولا تحتاج إلى تفسير، لأنها مألوفة في أسرته ومجتمعه. ثم يكتشف بعد الزواج أن الطرف الآخر يحمل التصور نفسه عن عاداته. ومن هنا لا يعود الخلاف متعلقًا بالفعل وحده، بل بالمعنى الذي يمنحه كل طرف لذلك الفعل؛ فما يراه أحدهما اهتمامًا قد يراه الآخر تدخلًا، وما يعدّه أحدهما استقلالًا قد يفهمه الآخر على أنه جفاء، وما يراه أحدهما احترامًا للعائلة قد يراه الآخر انتقاصًا من خصوصية الزوجين.

لهذا لا ينبغي للمقبلين على الزواج أن يكتفوا بالسؤال عن مقدار الحب، بل عليهم أن يسألوا أيضًا عن قدرتهم على بناء حياة مشتركة. كيف ستُدار الخلافات؟ وأين سيعيشان؟ وما حدود تدخل العائلتين؟ وكيف سيتعاملان مع المال؟ وعلى أي قيم سيُربَّى الأبناء؟ وما اللغة التي ستسود داخل البيت؟ وكيف سيتصرفان عندما تتعارض العادات مع قناعات أحدهما أو مع مصلحة الأسرة؟

ولا تعني الحكمة أن يبحث الإنسان عن شخص يشبهه في كل شيء؛ فهذا مطلب غير واقعي حتى بين أبناء الثقافة الواحدة. وإنما تعني أن يبحث عن شخص يستطيع أن يبني معه أرضية مشتركة، وأن يعرف الفوارق قبل الزواج، ويميّز بين ما يمكن التفاهم حوله وما يصعب التنازل عنه.

إن الاختلاف الثقافي قد يكون مصدر ثراء إذا صاحبه الوعي والاحترام والمرونة، لكنه قد يتحول إلى عبء حين يُترك للعاطفة أن تخفيه، أو يُؤجَّل الحديث عنه إلى ما بعد الزواج. فالأسئلة الصريحة قبل الارتباط ليست إساءة إلى الحب، بل حماية له من صدمات كان يمكن توقعها.

وحين استعاد عبدالقادر تجربته قال بهدوء:

«لو أدركت ذلك قبل زواجي، لطرحت على نفسي أسئلة أكثر، قبل أن أجيب بكلمة واحدة».

─── ◆ ───

العاطفة قد تفتح باب الزواج، لكنها وحدها لا تبني بيتًا. فالاستقرار ينمو حين يلتقي الود بالتوافق في القيم، وتتقارب التوقعات، ويتعلم كل طرف كيف يفهم عالم الآخر قبل أن يطالبه بفهم عالمه.

من كتاب «خلف ستار التعدد»
د. عبدالقوي القدسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top