هل نُعِدُّ أبناءنا لعالمٍ لم يعد موجودًا؟

حين تتغير الحياة… وتراوح المدرسة مكانها

المقال الأول من سلسلة تمهّد لمشروع «نظرية التربية والتعليم» التي يتبناها الكاتب، وتسعى إلى إعادة النظر في غايات التعليم ومساراته ومؤسساته ووسائل تقويمه في عصر الذكاء الاصطناعي.

وفي الحكمة المأثورة: «علِّموا أبناءكم غير ما تعلمتم؛ فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم».

يحمل الطفل حقيبته للمرة الأولى، ويدخل المدرسة ممتلئًا بالفضول والحماسة. يفرح بكتبه الجديدة، ويتطلع إلى معلميه وزملائه، ويسأل عن كل شيء من حوله. ثم تمضي السنوات، سنة بعد أخرى، وحصة بعد أخرى، وامتحانًا بعد امتحان، حتى يصل إلى نهاية المرحلة الثانوية بعد اثني عشر عامًا كاملة.

والسؤال الذي لا نسأله بما يكفي هو: ماذا أصبح هذا الطالب قادرًا على أن يفعل؟

هل يتقن لغته قراءة وكتابة وتعبيرًا؟ هل يستطيع التحدث بلغة أجنبية درسها اثني عشر عامًا؟ هل امتلك مهنة أو مهارة؟ هل عرف قدراته وميوله؟ هل يستطيع إدارة مشروع صغير، أو البحث عن معلومة والتحقق منها، أو حل مشكلة حقيقية؟ هل أصبح أكثر استعدادًا لبناء حياته، أم أنه لا يزال ينتظر سنوات أخرى في الجامعة حتى يُسمح له بالدخول إلى العالم؟

إنني لا أطرح هذه الأسئلة من خارج الميدان؛ فقد أمضيت أكثر من ثلاثين عامًا في التربية والتعليم، وما أكتبه هنا ثمرة معايشة طويلة للمدرسة والمعلم والطالب والمنهج والإدارة. وخلال هذه السنوات رأيت معلمين مخلصين، وأسرًا تضحي، وطلابًا يبذلون جهدًا، وإدارات تحاول التطوير، لكنني رأيت أيضًا كيف تصطدم كثير من الأفكار بسلم تعليمي ونظام لا يسمحان للمدرسة بالابتعاد كثيرًا عن الطريق المرسوم.

لا تستطيع المدرسة أن تقدم طالبًا عدة مستويات لأنه تعلم بسرعة، ولا أن تبني له مسارًا مختلفًا جذريًا يناسب قدراته، ولا أن تعفيه من مواد لم يعد يحتاج إليها، ولا أن تنقله بناءً على ما أتقنه فعلًا. يجب أن يسير الجميع في الطريق نفسه: أعمار متقاربة، وصفوف ثابتة، ومواد محددة، وسنوات متساوية، ثم امتحانات وشهادات.

نتحدث كثيرًا عن الفروق الفردية وتفريد التعليم، لكننا نطلب من الطالب السريع والبطيء أن يبدآ معًا وينتهيا معًا. يحصل أحدهما على 99% ويحصل الآخر على 50%، ثم ينتقلان إلى الصف التالي في اليوم نفسه. نعترف بالفارق الكبير بينهما على الورق، ثم نتجاهله عند بناء مسارهما التعليمي.

فهل نحن نقيس التعلم فعلًا، أم نقيس قدرة الطالب على البقاء داخل النظام؟

لقد أدت المدرسة الحديثة وظيفة تاريخية عظيمة، وأسهمت في نشر القراءة والكتابة والعلوم، وأخرجت أجيالًا بنت كثيرًا من منجزات عالمنا المعاصر. وليس من الإنصاف أن نحاكم مدرسة الأمس بوسائل اليوم، أو أن نهدم تاريخ التعليم كله لأن عصرنا تغير. لكن الاعتراف بفضل المدرسة لا يعني التعبد لصورتها، ولا يوجب علينا أن نبقى أسرى لقالب نجح في زمن سابق.

لقد تغير العالم من حول المدرسة، بينما ظل هيكلها الأساسي كما هو. استبدلنا السبورة التقليدية بشاشة إلكترونية، والكتاب الورقي بكتاب رقمي، وأدخلنا الحاسوب إلى الفصل، وحسّنا المقاعد والمباني والمرافق؛ لكن الطالب ما زال يدخل في ساعة محددة، ويجلس في صف مرتبط بعمره، ويتلقى وجبة موحدة من المواد، ثم يخضع لامتحان يقرر انتقاله ومستقبله.

لقد حسّنا جدران المدرسة وأدواتها، لكننا لم نراجع فكرتها بما يكفي.

والأشد إثارة للتساؤل أن الطالب قد يدرس اللغة الإنجليزية اثني عشر عامًا، ثم يتخرج عاجزًا عن إجراء محادثة سليمة، بينما يذهب في المساء إلى معهد اختاره بنفسه، فيحقق خلال أشهر تقدمًا لم يحققه في سنوات. فما الذي تغير؟

لم يتغير عقل الطالب، وإنما تغيرت علاقته بالتعلم. هناك ذهب راغبًا، وعرف لماذا يتعلم، ومارس اللغة من أجل استخدامها. أما في المدرسة فقد كان مطالبًا بإنهاء المقرر واجتياز الامتحان.

الطالب لا يكره التعلم كما نظن. انظروا إليه يوم الرحلة أو النشاط الرياضي أو المشروع الذي يحبه؛ يأتي مبكرًا متحمسًا، ويبذل طاقة كبيرة، ويتعاون ويقود ويجرب. ثم انظروا إليه عندما تبدأ الحصة الأولى، وتعقبها الثانية والثالثة والرابعة؛ يتسلل الملل والتذمر إلى نفسه.

ربما لا يرفض أبناؤنا التعلم، وإنما يرفضون الصورة التي حصرنا التعلم فيها.

ثم يدخل الطالب الجامعة، فيقضي أربع أو خمس سنوات في الإعلام مثلًا، وعندما يتقدم إلى مؤسسة إعلامية تكتشف أنه لا يمتلك المهارات المطلوبة، وقد تفضل عليه شخصًا لم يدرس الإعلام، لكنه تعلم بالممارسة والتدريب. فهل كانت المهنة تحتاج فعلًا إلى خمس سنوات، أم كان يمكن أن يتقن كثيرًا من مهاراتها في سنة تدريبية مكثفة داخل بيئة إعلامية حقيقية؟

وقد يدخل تخصصًا تقنيًا سريع التغير، فيبدأ دراسة معارف وأدوات معينة، ثم يتخرج بعد سنوات ليجد أن العالم الذي أُعد له قد تغير، وأن سوق العمل انتقل إلى تقنيات جديدة لم تكن جزءًا من برنامجه.

وفي المقابل، قد يمتلك شاب موهبة واضحة في التصميم أو البرمجة أو صناعة العلامات التجارية، لكنه يدخل الجامعة لا لأنه يحتاج إليها، بل ليحصل على لقب «خريج جامعي». لقد أصبحنا أحيانًا أكثر اهتمامًا باسم الشهادة من اهتمامنا بما يعرفه الإنسان وما يستطيع إنتاجه.

ولا تتوقف المشكلة عند البكالوريوس؛ فقد يبحث طالب الدكتوراه سنوات في جزئية ضيقة جدًا، ثم تمنحه الشهادة أهلية عامة لتدريس تخصص واسع لا يمتلك بالضرورة خبرة حقيقية في جميع جوانبه. وقد تنتهي علاقته بموضوع بحثه يوم المناقشة، ثم تذهب الرسالة إلى رف لا يقرؤها أحد، بينما يبقى اللقب ملازمًا لصاحبها طوال حياته.

وفي الجهة الأخرى قد نجد عالمًا متمكنًا أو خبيرًا ميدانيًا أمضى عمره في العلم والعمل، لكن الجامعة لا تسمح له بالتدريس لأنه لا يحمل الدكتوراه. وقد نجد صاحب خبرة علمية أو صناعية قادرًا على تعليم طلابنا ما لا يجدونه في الكتب، لكن المدرسة ترفضه لأنه لم يسلك المسار النظامي المقرر.

فهل الشهادة دليل على القدرة، أم أصبحت في بعض الأحيان بديلًا عنها؟

حتى تقويم الطلاب تحول إلى منظومة ضخمة من الخوف والسرية: مطابع محصنة، وأسئلة سرية، ومظاريف مختومة، ولجان ومراقبون وتعليمات صارمة؛ ثم يدخل الطالب قاعة الامتحان وكأنه متهم بالغش حتى تثبت براءته. تُختزل سنوات من حياته في ساعات، وقد تتحدد جامعته ومستقبله بدرجة واحدة حصل عليها في ظرف نفسي استثنائي.

لماذا يحتاج التعلم إلى كل هذا الحصار؟

الطالب الذي يريد فعلًا أن يتعلم البرمجة، أو يتقن لغة، أو يصنع جهازًا، أو يعالج مشكلة، لا يستطيع أن يغش نفسه. قد يغش للحصول على درجة، لكنه لا يستطيع أن يغش ليحصل على قدرة. وحين يواجه الميدان ستظهر الحقيقة بلا حاجة إلى مراقب أو مظروف مختوم.

ربما آن الأوان لأن ننتقل من امتحان يحرس الإجابة إلى تقويم يشاهد القدرة، ومن شهادة تقول إن الطالب درس إلى دليل يبين ما يستطيع أن يفعل.

ولماذا يبقى التعليم محصورًا داخل الجدران الأربعة؟ الأسرة تعلم، والمسجد يعلم، والورشة تعلم، والمصنع والمزرعة والمستشفى والسوق تعلم. والإنترنت يستطيع أن ينقل أفضل المعلمين والخبراء إلى طفل يعيش في قرية نائية لا يتوفر فيها معلم متخصص. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم لكل متعلم شرحًا وتدريبًا يناسب مستواه وسرعته.

فلماذا نصر على أن يذهب جميع الأطفال إلى المكان نفسه، في الوقت نفسه، ليتعلموا الأشياء نفسها، بالطريقة نفسها، ثم نمتحنهم بالأسئلة نفسها؟

ماذا لو كانت لدينا مرحلة تأسيسية مشتركة أقصر، يتعلم فيها الطفل لغته، وأصول الحساب والتفكير والبحث والقيم والتواصل والتعلم الذاتي، ثم ينطلق بعد ذلك في مسارات مرنة يكتشف خلالها قدراته وميوله؟

ماذا لو تحولت المدرسة من مصنع للشهادات إلى مركز مفتوح لتنمية القدرات، فيه مختبر وورشة واستوديو ومكتبة وحاضنة للمشروعات، ويعمل حضوريًا وعن بُعد، وفي أوقات متعددة؟

ماذا لو أصبح المصنع والمزرعة والمؤسسة الإعلامية والمركز البحثي شركاء حقيقيين في التعليم، لا جهات تنتظر الخريجين ثم تشكو من ضعف تأهيلهم؟

وماذا لو لم نسأل المتقدم إلى العمل: أين درست وكم سنة قضيت؟ بل سألناه: ماذا تعرف، وماذا تستطيع أن تفعل، وما الدليل على ذلك؟

لكن التعليم الذي ندعو إليه لا يمكن أن يتحول إلى تدريب مهني مجرد، ولا أن تكون غايته الوحيدة إدخال الإنسان إلى سوق العمل. فقبل أن نسأل ماذا يستطيع الطالب أن ينتج، يجب أن نسأل: أي إنسان نريد أن يكون؟

هنا تعود العلاقة بين التربية والتعليم. من المسؤول عن بناء قيم الطفل وهويته؟ الأسرة أم المدرسة أم المجتمع؟ وهل تستطيع المدرسة أن تكون محايدة وهي تشكل طريقة تفكير الطالب وعلاقاته ونظرته إلى نفسه والعالم؟ وما القدر المشترك الذي ينبغي أن يخرج به أبناؤنا قبل أن تتنوع مساراتهم؟

إننا لا نريد عاملًا ماهرًا بلا قيم، ولا حافظًا للمعلومات بلا قدرة، ولا حامل شهادة بلا علم، ولا صاحب موهبة تمنعه ورقة لم يحصل عليها.

هذه ليست دعوة إلى إغلاق المدارس أو إلغاء الجامعات أو ترك الأطفال وحدهم أمام الشاشات. وليست إنكارًا لجهود المعلمين أو للإنجازات التي حققها التعليم النظامي. إنها دعوة إلى سؤال شجاع:

هل ما زال النظام الذي ورثناه قادرًا على إعداد الإنسان لعالم تغيرت فيه المعرفة والعمل والتقنية والحياة؟

نحن لا نحتاج إلى مدرسة قديمة نضيف إليها أجهزة جديدة، بل إلى تصور جديد للتعليم نفسه؛ تصور يحرره من المكان الواحد، والزمن الواحد، والمنهج الواحد، والامتحان الواحد، والطريق الواحد إلى النجاح.

نحتاج إلى تعليم يبدأ بالإنسان: بفضوله وقدراته وميوله وقيمه، ثم يفتح أمامه الأسرة والمدرسة والمجتمع والعمل والتقنية بوصفها فضاءات متكاملة للتعلم.

وهذا المقال ليس إلا بداية لسلسلة واسعة نعيد فيها قراءة رحلة التربية والتعليم منذ بداياتها الأولى، ونناقش المدرسة والسلم التعليمي، والجامعة والشهادة، ونظريات التعلم، والتربية والهوية، والتعليم خارج الجدران، والاختبارات ووسائل التقويم، وصولًا إلى بناء «نظرية التربية والتعليم» التي نسعى من خلالها إلى تقديم تصور يناسب الإنسان وعالمه الجديد.

لا نزعم أن الإجابات كلها جاهزة، ولا نقدم نموذجًا مغلقًا لا يقبل المراجعة. إنما نفتح الأسئلة، ونستمع إلى التجارب، ونقرأ التاريخ والواقع، ونبحث عن طريق أكثر إنسانية ومرونة وارتباطًا بالحياة.

لقد بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي تغير العالم، فهل ننتظر حتى يتغير كل شيء من حول المدرسة، ثم نكتشف أننا اكتفينا بتطوير السبورة؟

ربما آن الأوان ألا نسأل فقط: كيف نطور المدرسة؟

بل أن نسأل قبل ذلك:

هل المدرسة التي نعرفها هي الصورة الوحيدة الممكنة للتعليم؟

فكرتين عن“هل نُعِدُّ أبناءنا لعالمٍ لم يعد موجودًا؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top