من مركزية الأسرة إلى النزعة الفردية
في لهاث الإنسان المعاصر نحو ترويض الطبيعة، ومضاعفة الإنتاج، وبناء المدن وناطحات السحاب، لم تحظَ الروابط الإنسانية دائمًا بالعناية نفسها. ومع تسارع إيقاع الحياة، تسرب منطق السرعة من عالم الصناعة والاستهلاك إلى مساحات شديدة الخصوصية في حياة الإنسان، حتى امتد إلى الطريقة التي يفهم بها الحب والارتباط والأسرة.
لم يعد السؤال عند بعض الناس: كيف نبني علاقة تستمر وتمنح الحياة معناها؟ بل أصبح: كيف نحصل على أكبر قدر من القرب والمتعة بأقل قدر من الالتزام والتبعات؟
وهنا بدأت العلاقة تنتقل، في بعض صورها، من كونها ميثاقًا يؤسس أسرة، إلى تجربة فردية قابلة للاستمرار أو الانتهاء بحسب ما تحققه من إشباع شخصي. وقد وصف عالم الاجتماع زيجمونت باومان جانبًا من هذه التحولات بمفهوم «الحب السائل»، حيث تصبح الروابط سريعة التكوين، ضعيفة الاحتمال، وسهلة الانفصال؛ انعكاسًا لثقافة أوسع تميل إلى المرونة والاستهلاك وتجنب الالتزامات طويلة الأمد.[١]
حين دخل منطق السرعة إلى العلاقات
يجد الشاب والفتاة في المجتمع الحديث نفسيهما أمام تحديات متزايدة: سنوات طويلة من الدراسة، وصعوبة الحصول على العمل، وارتفاع تكاليف السكن، وضغوط إثبات الذات، وتأخر الاستقرار الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، لا تتوقف حاجاتهما النفسية والعاطفية والجسدية في انتظار اكتمال هذه الشروط.
في هذا السياق، تسربت ثقافة «الوجبات السريعة» إلى العلاقات الإنسانية. فبدلًا من مسار متدرج ينتهي بميثاق واضح ومسؤولية مشتركة، ظهرت مسارات توفر قدرًا من القرب العاطفي أو الجسدي، من غير أن تفرض منذ البداية التزامًا قانونيًا أو اجتماعيًا طويل الأمد.
عندما يوضع الإنسان بين طريق يتطلب الصبر، وتحمل المسؤولية المالية والتربوية، والتنازل المتبادل، وبين علاقة تمنحه بعض منافع الارتباط مع إمكان الخروج منها بسهولة أكبر، يصبح الخيار الثاني أكثر انسجامًا مع النزعة الفردية السائدة.
ولا يعني ذلك أن كل فرد يسلك هذا الطريق يفعل ذلك بدافع الأنانية أو العبث؛ فقد تدفع إليه ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة. لكن فهم الظروف التي تفسر السلوك لا يمنع من مناقشة النتائج التي قد تترتب عليه.
المواعدة والمساكنة: علاقة تبحث عن القرب وتتردد أمام الميثاق
من أبرز مسارات الارتباط المعاصرة علاقات المواعدة الممتدة، والمساكنة من غير زواج.
في علاقة المواعدة، يتكون ارتباط عاطفي، وقد يكون جسديًا، من غير ميثاق زوجي أو مسؤوليات قانونية وأسرية واضحة. وقد تتحول هذه العلاقة إلى زواج، وقد تستمر سنوات، وقد تنتهي من غير أن تترك للطرف المتضرر حماية كافية أو اعترافًا بما بذله من وقت وعاطفة.
أما المساكنة، فيتقاسم فيها الطرفان المسكن وبعض تفاصيل الحياة اليومية من غير زواج، ويقدمانها أحيانًا بوصفها وسيلة لاختبار التوافق قبل اتخاذ قرار الارتباط الدائم.
ولم تعد المساكنة ظاهرة هامشية في عدد من المجتمعات الغربية. ففي المملكة المتحدة، بلغ عدد أسر الأزواج المتساكنين من غير زواج نحو ٣.٥ ملايين أسرة في عام ٢٠٢٥، تمثل ١٧.٦٪ من مجموع الأسر، بينما تراجعت نسبة أسر المتزوجين إلى ٦٥.٣٪.[٢] كما تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن معدلات الزواج انخفضت في معظم دول المنظمة منذ عام ١٩٩٠، بالتزامن مع ارتفاع متوسط سن الزواج واتساع حضور المساكنة بوصفها بديلًا عن الزواج أو مرحلة سابقة عليه.[٣]
لكن وجود العلاقة وانتشارها لا يحسمان بالضرورة قدرتها على توفير الوظائف نفسها التي يؤديها الزواج. فالعلاقة الزوجية لا تقوم فقط على وجود شخصين في منزل واحد، وإنما على إعلان الالتزام، وتحديد الحقوق، وتحمل المسؤولية، وربط الحاضر بمستقبل مشترك.
وتشير دراسات طولية إلى أن العلاقة بين المساكنة والاستقرار ليست بسيطة، وأنها تتأثر بجودة التواصل والدخل والنية السابقة للارتباط وغيرها من العوامل. ففي دراسة تابعت مجموعة من الأسر الألمانية مدة عشر سنوات، ظهرت فروق أولية في معدلات انفصال المتساكنين والمتزوجين، لكن أثر نوع العلاقة في الانفصال لم يبقَ دالًا بعد ضبط المتغيرات الأخرى. وفي المقابل، وجدت الدراسة تراجعًا أكبر في مستوى التوافق لدى بعض الأمهات المتساكنات، وارتباطًا بين المساكنة وبعض المشكلات السلوكية الخارجية لدى الأبناء؛ وهو ما دفع الباحثين إلى الدعوة إلى مزيد من الدراسة بدل تقديم أحكام سببية قاطعة.[٤]
وهذا التداخل يؤكد أن القضية لا ينبغي أن تختزل في إدانة الأشخاص، ولا في الادعاء بأن كل زواج ناجح وكل مساكنة فاشلة. فهناك زيجات مضطربة وعلاقات غير زوجية طويلة. لكن الفرق الجوهري يظل قائمًا بين علاقة تدخل منذ بدايتها في إطار ميثاق معلن، وعلاقة تترك مستوى الالتزام وحدوده وموعد انتهائه لتقدير الطرفين المتغير.
من التكامل إلى التنافس
امتدت النزعة الفردية إلى طريقة تصور العلاقة بين الرجل والمرأة. ولا شك أن الحركات المطالبة بإنصاف المرأة أدت دورًا مهمًا في كشف صور من الظلم والتمييز، وأسهمت في حصول المرأة على حقوق تعليمية وقانونية واجتماعية لا يصح إنكارها.
لكن الإشكال يظهر حين يتحول طلب العدل إلى تفسير العلاقة بين الرجل والمرأة بوصفها صراعًا دائمًا على السلطة، وحين يصبح الاختلاف بينهما دليلًا على التراتب، والتكامل صورة من صور التبعية، وتوزيع الأدوار انتقاصًا من الحرية.
في بعض الاتجاهات النسوية الراديكالية، لم تعد الأسرة فضاءً يمكن إصلاحه وتحقيق العدل داخله، بل أصبحت بنية متهمة في أصلها؛ لأنها تقوم، بحسب هذا التصور، على تقسيم للأدوار قد يمنح الرجل سلطة ويضع على المرأة أعباء الرعاية.
والمشكلة في هذا المنظور أنه قد ينقل العلاقة من سؤال: كيف يتعاون الطرفان ويمنعان الظلم؟ إلى سؤال: من يغلب الآخر؟ وحين تصبح الحياة الزوجية دفترًا دقيقًا لحساب ما قدمه كل طرف، يفقد البيت شيئًا من معاني المودة والفضل والتضحية، حتى لو حافظ ظاهريًا على توزيع متساوٍ للأعمال.
إن العدل ضرورة لا تستقيم الأسرة من دونه، لكنه لا يعني التطابق الحسابي في كل التفاصيل. وقد يكون توزيع المسؤوليات مختلفًا من أسرة إلى أخرى، بحسب قدرات الزوجين وظروفهما، من غير أن يكون الاختلاف وحده دليلًا على الظلم. فالمعيار الأهم هو التراضي، والإنصاف، والتكامل، وحفظ الكرامة، وعدم استغلال أحد الطرفين للآخر.
إعادة تعريف الأسرة
بلغ التحول مرحلة أبعد حين لم يعد الجدل مقتصرًا على شكل العلاقة بين الرجل والمرأة، بل امتد إلى تعريف الأسرة نفسها. فقد اعترفت تشريعات عدد من الدول بزواج شخصين من الجنس نفسه، ومنحتهما بعض الحقوق التي يتمتع بها الزوجان، ومنها إمكان تبني الأطفال في أنظمة قانونية معينة. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كانت خمسة وعشرون دولة من دول المنظمة تعترف بزواج الأشخاص من الجنس نفسه، كليًا أو في بعض أقاليمها، بحلول عام ٢٠٢٢.[٥]
ومن المهم هنا التمييز بين مستويين: مستوى التعامل الإنساني والقانوني مع الأفراد بما يحفظ كرامتهم ويحميهم من الاعتداء، ومستوى تعريف الأسرة والوظائف التي تقوم عليها.
فمن منظور المرجعية الإسلامية وفلسفة الأسرة التي تنطلق منها هذه المقالة، تقوم الأسرة في أصل تكوينها على اقتران الرجل بالمرأة في ميثاق معلن، يحقق السكن، ويجمع بين الاختلاف والتكامل، ويفتح الطريق الطبيعي للإنجاب وامتداد الأجيال. ومن ثم، لا يصبح كل ارتباط عاطفي أسرةً بالمعنى نفسه لمجرد حصوله على الاعتراف القانوني.
هذه رؤية فلسفية وقيمية ينبغي إعلان مرجعيتها بوضوح، لا تقديمها في صورة نتيجة تجريبية محسومة. كما ينبغي مناقشتها من غير تجريح للأشخاص أو مصادرة لكرامتهم الإنسانية.
وتكشف بيانات غالوب لعام ٢٠٢٥ عن اتساع التحول في أنماط التعريف الذاتي لدى الأجيال الجديدة في الولايات المتحدة؛ إذ عرّف ٩٪ من البالغين أنفسهم ضمن فئات LGBTQ+، وارتفعت النسبة إلى ٢٣٪ بين من تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا.[٦] غير أن هذه الأرقام تقيس التعريف الذاتي ولا تعني أن النسبة نفسها تعيش في علاقات مثلية أو أسر من الجنس نفسه. ومع ذلك، فإن الفارق الكبير بين الأجيال يشير إلى أثر واضح للتحولات الثقافية في اللغة التي يفهم بها الشباب ذواتهم وعلاقاتهم.
الدولة بين حماية الأسرة وتنظيم آثار تفككها
كان المتوقع من الدولة الحديثة، بما تملكه من موارد وتشريعات ومؤسسات، أن تجعل تأسيس الأسرة واستقرارها أكثر سهولة؛ من خلال دعم السكن، وحماية الأمومة والأبوة، وتحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية، وتوفير خدمات الإرشاد والمصالحة، وضمان حقوق الزوجين والأطفال.
لكن ما حدث في بعض المجتمعات أن تدخل الدولة اتجه بدرجة أكبر إلى تنظيم النتائج القانونية للعلاقات المتغيرة، بدل معالجة الأسباب التي تجعل الزواج وتكوين الأسرة أكثر صعوبة.
فحين تتأخر فرص العمل، وترتفع تكاليف السكن، وتضعف شبكات العائلة، ويصبح الإنجاب عبئًا مهنيًا واقتصاديًا، ثم يطلب من الشباب في الوقت نفسه بناء أسر مستقرة، فإن الخطاب الأخلاقي وحده لا يكفي. حماية الأسرة تقتضي بيئة اجتماعية واقتصادية تجعل الالتزام ممكنًا، لا مجرد مطالبة الأفراد به.
وفي الجانب التربوي، لا يكفي أن تتعامل المؤسسات التعليمية مع العلاقات الجنسية المبكرة بوصفها واقعًا يحتاج إلى تنظيم صحي فحسب. فالحماية الصحية مهمة، لكنها لا تغني عن التربية على المعنى والحدود والمسؤولية واحترام الجسد والآخر. فالتعليم الذي يخبر الشاب كيف يتجنب الضرر، من غير أن يساعده على فهم قيمة الالتزام، يعالج جزءًا من المشكلة ويترك أصلها.
ليست إدانة للأفراد
لا تهدف هذه القراءة إلى إدانة الأشخاص أو تجاهل تعقيدات حياتهم. فقد يدخل الإنسان علاقة غير مستقرة بسبب حاجة عاطفية أو ظرف اقتصادي أو تجربة أسرية مؤلمة، وقد يحمل تصورًا مختلفًا عن الزواج والأسرة نتيجة البيئة التي نشأ فيها.
لكن احترام الإنسان لا يعني الامتناع عن مناقشة الأفكار والأنماط الاجتماعية. ومن حق المجتمع أن يسأل عن أثر التحولات في الأطفال، والاستقرار النفسي، والتضامن بين الأجيال، وقدرة العلاقات على الصمود عند المرض والشيخوخة والضائقة المالية.
كما أن نقد النزعة الفردية لا يعني الدعوة إلى إذابة الفرد داخل الأسرة أو تبرير الظلم باسم المحافظة عليها. فالأسرة التي تسلب الإنسان كرامته أو تحمي العنف ليست النموذج الذي يستحق الدفاع عنه. والمطلوب ليس العودة إلى كل صور الأسرة التقليدية، وإنما استعادة المعاني التي لا تقوم الأسرة من دونها: الميثاق، والمسؤولية، والمودة، والعدل، والانتماء، والاستمرار.
نحو استعادة معنى الميثاق
العلاقة التي تقوم على الإشباع وحده قد تستمر ما دام الإشباع قائمًا، لكنها تصبح مهددة حين تتغير الظروف. أما الأسرة فتبدأ من الاعتراف بأن الحياة لا تبقى على حال واحدة، وأن الشريك قد يمرض ويضعف ويتغير، وأن الأبناء يحتاجون إلى سنوات طويلة من الرعاية، وأن بناء الثقة لا يتحقق بعلاقات قابلة للاستبدال السريع.
لهذا كان الزواج أكثر من إعلان للحب؛ إنه تحويل للحب من شعور خاص إلى مسؤولية معلنة، ونقل للعلاقة من احتمالات اللحظة إلى أفق العمر.
والتحدي الذي يواجه المجتمعات اليوم ليس الاختيار بين أسرة تقليدية تستعاد بكل أخطائها، وفرد حديث يتحرر من كل روابطها؛ بل بناء أسرة تحفظ للإنسان حريته وكرامته، وتطالبه في الوقت نفسه بمسؤوليته تجاه من اختار أن يشاركه الحياة.
نحن بحاجة إلى أسرة لا تتحول فيها القيادة إلى استبداد، ولا المساواة إلى صراع، ولا الحرية إلى تنصل من التبعات، ولا التضحية إلى إلغاء للذات.
فليست كل علاقة أسرة، كما أن مجرد السكن تحت سقف واحد لا يصنع بيتًا. الأسرة بناء أخلاقي وإنساني يبدأ بالاختيار، ويثبت بالميثاق، وينضج بالمسؤولية، ويستمر بالرحمة والعدل والوفاء.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا: كيف نعيد للميثاق قيمته، ونجعل تأسيس الأسرة ممكنًا وجاذبًا، من غير أن نتجاهل تحولات العصر ومتطلبات العمل وتطلعات الإنسان إلى الحرية والكرامة؟
الإجابة لا تكون بإنكار الواقع، ولا بالاستسلام له، وإنما ببناء نموذج أسري يجمع بين ثبات القيم ومرونة الوسائل؛ نموذج يحفظ الفطرة، ويحقق العدل، ويعيد إلى العلاقة الإنسانية معناها الأعمق: أن يجد الإنسان في الآخر سكنًا ومسؤولية وعهدًا، لا محطة عابرة في طريق طويل من البحث عن الذات.
المراجع
[١] زيجمونت باومان، الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ٢٠١٦).
[٢] مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، «الأسر والمعيشة المنزلية في المملكة المتحدة: ٢٠٢٥»، ١٧ أبريل ٢٠٢٦:
Office for National Statistics
[٣] منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، «الزواج والطلاق»، لمحة عن المجتمع ٢٠٢٤:
OECD — Marriage and Divorce
[٤] هيذر فوران وآخرون، «المساكنة واستقرار العلاقة والتوافق والصحة النفسية للأطفال على مدى عشر سنوات»، ٢٠٢٢:
الدراسة المنشورة في PMC
[٥] منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، «الزواج والطلاق»، مرجع سابق.
[٦] جيفري م. جونز، «استقرار نسبة التعريف ضمن LGBTQ+ عند ٩٪ في الولايات المتحدة»، غالوب، ١٦ فبراير ٢٠٢٦:
Gallup



