المعدل التراكمي في الثانوية العامة… حين تُلغي ساعاتُ الاختبار حصيلةَ سنواتٍ من التعلّم

دعوة لمراجعة تقويم الثانوية العامة في اليمن

ليس الهدف من التقويم أن نُنجح الطالب بأي طريقة، كما أن صرامة النظام التعليمي لا تُقاس بعدد الراسبين فيه. السؤال الأهم هو: هل تعكس النتيجة التي يحصل عليها الطالب مستوى تعلمه الحقيقي بصورة عادلة ودقيقة؟

هذا السؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن ننظر إلى نظام الثانوية العامة في اليمن، وبخاصة العلاقة بين المعدل التراكمي والاختبار الوزاري النهائي.

ففكرة المعدل التراكمي في أصلها خطوة جيدة؛ لأنها تعترف بأن تعلم الطالب لا يحدث في يوم الاختبار وحده، وإنما يتشكل عبر سنوات من الدراسة والتفاعل والاختبارات والأعمال الصفية والواجبات والأنشطة. وحين يُخصص 50% من الدرجة للأداء التراكمي، و50% للاختبار الوزاري، فإن معنى ذلك أن النظام يعترف بمصدرين للحكم على تحصيل الطالب، لكل منهما وزنه وقيمته.

لكن المشكلة تظهر حين يتعثر الطالب في الاختبار الوزاري؛ إذ يمكن أن يفقد المعدل التراكمي أثره في النتيجة، مهما كان ما حققه الطالب خلال السنوات السابقة.

ولنأخذ مثالًا بسيطًا يوضح الإشكال:

طالب حصل على 25 من 50 في المعدل التراكمي، ثم حصل على 25من 50 في الاختبار الوزاري. مجموع ما حققه وفق مكونات التقويم هو 50 من 100.

وفي المقابل، طالب آخر حصل على 50 من 50 في المعدل التراكمي، لكنه تعثر في الاختبار الوزاري وحصل على 24 درجات من 50 فقط. مجموع ما حققه هذا الطالب هو 74 من 100.

ومع ذلك قد ينجح الأول، بينما يرسب الثاني، بل تظهر له درجة الاختبار الوزاري وحدها، وكأن الخمسين درجة التي حصل عليها خلال مسيرته الدراسية لم تكن جزءًا من تقويمه.

هنا ليست القضية دفاعًا عن طالب حصل على عشر درجات في الاختبار النهائي، ولا مطالبة بنجاحه لمجرد ارتفاع معدله التراكمي؛ وإنما السؤال: إذا كانت الدرجة التراكمية تمثل تحصيلًا معتمدًا للطالب، فكيف يستطيع مكوّن آخر من مكونات التقويم أن يلغي أثرها بالكامل؟

إذا كنا نثق بالمعدل التراكمي، فينبغي أن يكون جزءًا حقيقيًا من النتيجة. وإذا كنا لا نثق به، فالمشكلة ليست في الطالب، وإنما في نظام التقويم التراكمي نفسه، وعندها ينبغي إصلاحه وضبطه بدل احتسابه أولًا ثم إلغاء أثره لاحقًا.

الطالب أكبر من اختبار واحد

تطور مفهوم التقويم التربوي خلال العقود الماضية، ولم يعد تقويم التعلم محصورًا في السؤال: كم أجاب الطالب بصورة صحيحة في اختبار نهائي؟ بل أصبح السؤال الأوسع: ماذا تعلم الطالب؟ وما المعارف والمهارات التي أصبح قادرًا على إظهارها وتطبيقها؟

ولهذا تؤكد اليونسكو أن تقويم التعلم يستخدم نطاقًا واسعًا من الأساليب والأدوات لقياس مدى إتقان الطلاب للمعارف والمهارات، وأن بيانات التقويم لا تستخدم فقط لمنح الشهادات، وإنما أيضًا لتحسين المناهج وطرائق التدريس واتخاذ القرارات التعليمية.

ويؤكد تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD صدر عام 2026 حول شهادات المرحلة الثانوية المعاصرة المعنى نفسه بصورة لافتة. فقد درس التقرير 71 نظامًا وشهادة للمرحلة الثانوية، ووجد أن 57 منها تستخدم مهام تقويم متعددة. ويرى التقرير أن الجمع بين أدوات ومهام مختلفة يساعد على الاستفادة من نقاط قوة كل أداة وتعويض جوانب الضعف فيها، كما يتيح قياس نطاق أوسع من مهارات الطالب.

وهذا لا يعني أن الاختبار النهائي بلا قيمة. فالاختبارات الخارجية الموحدة لها أهمية في تحقيق قدر من المقارنة والموثوقية وضبط المعايير، ولهذا ما تزال موجودة في كثير من الأنظمة التعليمية. لكن وجودها شيء، وتحويلها إلى أداة تستطيع أن تمحو بقية أدلة تعلم الطالب شيء آخر.

فالاختبار النهائي، مهما بلغت جودة بنائه، يظل قياسًا لأداء الطالب في وقت محدد وتحت ظروف محددة. وقد يدخل الطالب الاختبار وهو مريض، أو متأثرًا بظرف أسري طارئ، أو يعاني قلقًا شديدًا من الاختبار، كما قد تتأثر النتيجة بعوامل تتعلق بالاختبار نفسه وطريقة تطبيقه. ولهذا فإن الاعتماد على مصادر متعددة للتقويم يعطي في العادة صورة أكثر اكتمالًا من الاعتماد على قياس واحد مرتفع المخاطر.

وحين تكون الظروف التعليمية استثنائية

تزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إلى الواقع اليمني.

فالطالب اليمني لا يصل دائمًا إلى الاختبار الوزاري بعد عام دراسي مستقر ومتكامل. لقد مرت العملية التعليمية بسنوات من الاضطراب، وتضررت الظروف المعيشية للمعلمين والأسر، وشهد التعليم انقطاعات وإضرابات وتفاوتًا بين المدارس في انتظام الدراسة وإكمال المناهج وتوفير البيئة التعليمية المناسبة.

ومن الإنصاف هنا ألا ننسب كل ضعف يظهر في ورقة الاختبار إلى الطالب وحده.

فالنتيجة التعليمية مسؤولية منظومة كاملة: منهج، ومعلم، ومدرسة، وأسرة، وبيئة تعليمية، وزمن تعلم كافٍ، ثم يأتي الطالب في قلب هذه المنظومة. وكلما ضعفت فرص التعلم المتاحة له، أصبح من الضروري أن نكون أكثر دقة قبل تفسير درجة اختبار واحد على أنها التعبير الكامل عن قدراته وتحصيله.

وهذا لا يعني خفض المعايير بسبب الظروف، وإنما يعني تحسين عدالة القياس.

يمكن للدولة أن تقول إن النجاح لا يتحقق إلا بالحصول على 60% أو 70% مثلًا إذا أثبتت الدراسات أن هذا هو المستوى المناسب. حينها يعرف الطالب أن عليه أن يجمع من مختلف مكونات تقويمه ما يوصله إلى مستوى الإتقان المطلوب.

لكن رفع معيار النجاح شيء، وإلغاء درجات حصل عليها الطالب بالفعل شيء آخر.

ماذا تفعل أنظمة تعليمية أخرى؟

ليس هناك نموذج عالمي واحد للثانوية العامة ينبغي أن ننقله إلى اليمن. والدول نفسها تختلف في مقدار اعتمادها على المدرسة وعلى الاختبارات الخارجية. وربما كان هذا التنوع هو الدرس الأهم: الاختبار الوزاري بصورته التقليدية ليس النموذج الوحيد الممكن لضمان جودة شهادة الثانوية.

ففي فنلندا، مثلًا، يقوم التقويم في المرحلة الثانوية على أدلة متنوعة لما تعلمه الطالب وما أصبح قادرًا على أدائه، ويجمع بين التقويم التكويني والختامي. وتوضح الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم أن نتائج امتحان الثانوية الوطني منفصلة عن درجات الوحدات الدراسية التي يحصل عليها الطالب أثناء دراسته.

وتقدم نيوزيلندا نموذجًا مختلفًا؛ إذ تجمع شهادة NCEA بين التقويم الداخلي الذي يقوم به المعلمون والمدارس والتقويم الخارجي. ولا يقتصر التقويم الخارجي نفسه على الاختبار التقليدي؛ ففي بعض المواد تقدم ملفات أعمال يجري تقويمها خارجيًا. وفي الوقت نفسه تخضع نتائج التقويم الداخلي لضوابط ومراجعة خارجية للتأكد من اتساق قرارات المدارس مع المعايير الوطنية.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن أحد الاعتراضات المشروعة على زيادة وزن المعدل التراكمي هو اختلاف المدارس والمعلمين في مستوى الصرامة ومنح الدرجات. والحل ليس بالضرورة إلغاء دور المدرسة، وإنما يمكن أن يكون في بناء معايير وطنية واضحة، وتدريب المعلمين، ومراجعة عينات من أعمال الطلبة، وضبط جودة التقويم المدرسي.

فالمعادلة ليست بين خيارين فقط: إما اختبار وزاري يقرر مصير الطالب، أو درجات مدرسية بلا ضوابط. هناك مساحة واسعة بينهما لبناء نموذج يجمع العدالة والموثوقية.

ربما نحتاج إلى مراجعة أوسع للثانوية العامة

ومعالجة مشكلة المعدل التراكمي يمكن أن تكون بداية لنقاش أكبر، لا نهايته.

فربما حان الوقت لدراسة نموذج جديد للثانوية العامة في اليمن، ينتقل تدريجيًا من هيمنة الاختبار النهائي إلى نظام أكثر توازنًا: تقويم مستمر أكثر قوة وموثوقية، واختبارات وطنية محددة حيث تكون الحاجة إليها حقيقية، ومهمات ومشروعات وأدوات أخرى تقيس جوانب لا يستطيع الاختبار الورقي قياسها جيدًا.

وهنا يمكن أيضًا إعادة التفكير في الوظائف الكثيرة التي نحملها لشهادة الثانوية العامة.

فنحن نريد منها في الوقت نفسه أن تقرر نجاح الطالب في المدرسة، وأن تحدد مستواه، وأن تؤهله للجامعة، وأن تفاضل بينه وبين آلاف المتقدمين، وأن تحدد استحقاقه لبعض المنح والتخصصات. وربما كان من الأفضل الفصل بين بعض هذه الوظائف.

فالطالب الذي حقق متطلبات التعليم الثانوي ينبغي أن يحصل على شهادته وفق معايير واضحة. أما الجامعة، فمن حقها أن تضع شروط قبول تتناسب مع طبيعة تخصصاتها. طالب الطب والهندسة، مثلًا، يحتاج إلى مستوى مرتفع في العلوم والرياضيات، بينما يحتاج طالب القانون أو اللغة أو العلوم الإنسانية إلى معارف وقدرات أخرى.

وكذلك المنح الدراسية يمكن أن تكون لها معايير واختبارات مقننة تتناسب مع طبيعتها وتخصصاتها، بدل أن يتحمل اختبار الثانوية العامة وحده مهمة الفرز لكل الأغراض.

ما الذي يمكن فعله الآن؟

إعادة بناء نظام الثانوية العامة مشروع يحتاج إلى دراسة وتجريب وتدرج، وليس من الحكمة الانتقال المفاجئ من نظام إلى آخر.

لكن معالجة المشكلة الحالية يمكن أن تبدأ بخطوة أبسط: أن تُحفظ للطالب الدرجة التراكمية التي اكتسبها، وألا تختفي لمجرد تعثره في الاختبار الوزاري.

وإذا رأت الوزارة ضرورة اشتراط حد أدنى في الاختبار النهائي، فيمكن دراسة هذا الحد علميًا، مع إبقاء النتيجة الحقيقية للطالب ظاهرة. فيقال مثلًا: حصل الطالب على 60 من 100، لكنه لم يستوفِ شرط الاجتياز في المكون الوزاري، بدل أن تتحول درجته من 60 إلى 10 وكأن بقية تحصيله لم يوجد.

وفي المدى الأبعد، يمكن تشكيل لجنة تربوية متخصصة لدراسة نظام الثانوية العامة بكامله: وزن المعدل التراكمي، وموثوقية تقويم المدارس، والوزن المناسب للاختبار النهائي، وإمكان تنويع أدوات التقويم، والعلاقة بين شهادة الثانوية والقبول الجامعي والمنح.

إن مراجعة النظام لا تعني التساهل، كما أن تطوير الاختبارات الوزارية أو تقليل الاعتماد عليها لا يعني الرغبة في نجاح الجميع.

فالصرامة الحقيقية ليست أن نُرسّب طالبًا تعلّم، كما أن العدالة ليست أن نُنجّح طالبًا لم يتعلم.

الصرامة والعدالة معًا أن نبني نظامًا قادرًا، بأكبر قدر ممكن من الصدق، على معرفة ما تعلمه الطالب فعلًا.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يوضع أمام القائمين على التعليم في اليمن ليس فقط:

كم طالبًا نجح، وكم طالبًا رسب؟

بل السؤال الأهم:

ماذا تعلم أبناؤنا فعلًا؟ وهل النظام الذي نقيسهم به قادر على إظهار ذلك بعدالة؟

حين يصبح هذا السؤال هو نقطة البداية، فإن مراجعة المعدل التراكمي ونظام الثانوية العامة لن تكون تراجعًا عن الجودة، بل خطوة في طريق الوصول إليها.

المراجع

  1. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). نظرية وممارسة منح شهادات المرحلة الثانوية العليا (The Theory and Practice of Upper Secondary Certification). باريس: OECD، 2026.
    https://www.oecd.org/en/publications/the-theory-and-practice-of-upper-secondary-certification_b3fea5ba-en.html
  2. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). تقويم نواتج التعلم (Learning Assessments).
    https://www.unesco.org/en/learning-assessments
  3. الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم (Finnish National Agency for Education). التعليم الثانوي العام والتقويم في فنلندا (What is General Upper Secondary Education?).
    https://www.oph.fi/en/education-and-qualifications/what-general-upper-secondary-education
  4. هيئة المؤهلات النيوزيلندية (New Zealand Qualifications Authority – NZQA). المعايير والتقويم الداخلي والخارجي في شهادة NCEA (About Standards).
    https://www2.nzqa.govt.nz/qualifications-and-standards/about-standards/
  5. هيئة المؤهلات النيوزيلندية (NZQA). قواعد التقويم للمدارس ومؤسسات التعليم – 2026 (NZQA Assessment Rules for Schools and Tertiary Education Organisations).
    https://www2.nzqa.govt.nz/ncea/ncea-rules-and-procedures/nzqa-assessment-rules-for-schools-teos/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top