الأسرة… قانون الفطرة

إضاءات من الطبيعة والمجتمعات الإنسانية الأولى

مهما اختلفت صور الحياة، يبقى مشهدٌ يتكرر من حولنا: مأوى يُهيأ، ونسل يولد، وصغار يحتاجون إلى الرعاية والحماية حتى يقووا على مواجهة الحياة. نرى هذا المشهد بصور مختلفة في عالم الكائنات، ثم نراه بصورة أرقى وأعمق في حياة الإنسان؛ حيث يتحول المأوى إلى بيت، والارتباط إلى ميثاق، والرعاية إلى مسؤولية، ويصبح الانتماء الأسري جزءًا من هوية الإنسان وذاكرته ومستقبله.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل الأسرة مجرد ترتيب اجتماعي ابتكره الإنسان في مرحلة من مراحل تاريخه، أم أنها استجابة لحاجة أعمق، متجذرة في فطرته؟

قبل الحضارة… كان هناك بيت

حين يتأمل الإنسان الطبيعة يكتشف أن رعاية النسل لم تبدأ مع المدن، ولم تنتظر ظهور القانون والمدرسة والدولة. فالطيور تبني أعشاشها، وكثير من الكائنات تهيئ لصغارها بيئة تحميها، وتطعمها، وتبقى إلى جوارها حتى تصبح أقدر على الاستقلال.

ولا يعني هذا أن الأسرة الإنسانية نسخة من حياة الكائنات الأخرى؛ فالإنسان مكرم بالعقل، ومكلف بالشرع، وتقوم أسرته على معانٍ من المودة والرحمة والوفاء والمسؤولية لا يصح اختزالها في السلوك البيولوجي. وإنما تكشف هذه المشاهد عن معنى أولي مهم: أن الميل إلى حفظ النسل ورعايته وبناء البيئة الحاضنة له أقدم من المؤسسات التي أنشأها الإنسان لتنظيم حياته.

وحين جاء الإسلام لم يقدم الأسرة باعتبارها مجرد ترتيب اقتصادي أو اجتماعي، بل ربط العلاقة الزوجية بالسكن والمودة والرحمة، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

ما الذي تقوله لنا الطبيعة؟

لا تقدم الطبيعة نموذجًا واحدًا للحياة الاجتماعية؛ فبعض الكائنات يعيش منفردًا، وبعضها في جماعات صغيرة، بينما طورت أنواع أخرى أنظمة اجتماعية شديدة التعقيد.

وتقدم مجتمعات النحل والنمل نموذجًا لافتًا؛ إذ تقوم مستعمراتها على تقسيم للعمل، وتبادل للمعلومات، وتنظيم للمهام، وصور من السلوك واتخاذ القرار على مستوى الجماعة. وقد أصبحت هذه الظواهر موضوعًا واسعًا للدراسة في علوم السلوك الحيواني والتنظيم الجمعي.[1]

وليس المقصود أن يتخذ الإنسان من النحل أو النمل نموذجًا لأسرته؛ فالفارق بين المجتمع الإنساني وتلك المجتمعات جوهري. لكن الطبيعة تضع أمامنا معنى يستحق التأمل: أن الاجتماع وحده لا يصنع كيانًا قويًا؛ بل يحتاج إلى انتظام العلاقات، وتكامل الوظائف، وتعاون الأفراد على حفظ الكيان الذي يجمعهم.

وهذا المعنى قريب من حقيقة الأسرة؛ فالبيت ليس مجموعة أشخاص يعيشون تحت سقف واحد، وإنما شبكة من العلاقات والحقوق والمسؤوليات والمشاعر التي تجعل من ذلك الاجتماع «أسرة».

عندما يكون الخيط قويًا… والبيت واهيًا

ويلفت القرآن الكريم النظر إلى صورة أخرى شديدة التعبير، فيقول تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: 41].

والسياق القرآني واضح في ضرب المثل لوهن الاعتماد على غير الله. غير أن اختيار «البيت» في هذه الصورة يفتح مساحة جميلة للتأمل، خاصة أمام ما كشفه العلم الحديث عن خيوط العنكبوت.

فالدراسات العلمية تصف حرير العنكبوت بأنه من المواد الحيوية ذات الخصائص الميكانيكية الاستثنائية؛ إذ تجمع بعض أنواعه بين قوة الشد والمرونة والمتانة بدرجات لافتة، ولذلك أصبح موضع اهتمام في علوم المواد والهندسة الحيوية.[2]

وهنا تظهر مفارقة بديعة: قد يكون الخيط قويًا، ومع ذلك يوصف البيت بالوهن.

ولا ينبغي أن نحمل الآية ما لا تحتمل، أو نجعلها تقريرًا في علم المواد أو علم الحيوان؛ فالقرآن هنا يضرب مثلًا عقديًا واضح الدلالة. لكن الصورة تمنحنا معنى إنسانيًا بالغ العمق: ليست قوة البيت في مادة بنائه وحدها.

قد يكون المنزل فخمًا، وأثاثه فاخرًا، ووسائل الراحة فيه مكتملة، ومع ذلك يكون هشًا من الداخل. وفي المقابل، قد يكون المسكن متواضعًا، لكن المودة التي تجمع أهله، والثقة التي تحكم علاقاتهم، والمسؤولية التي يتحملها كل فرد فيه، تجعله بيتًا أكثر قوة واستقرارًا.

فالبيوت لا تقوى بالإسمنت وحده، وإنما بالعلاقات التي تسكن داخل الإسمنت.

الأسرة قبل الدولة

وإذا انتقلنا من الطبيعة إلى التاريخ الإنساني، بدت الصورة أكثر وضوحًا. فالإنسان عرف الأسرة قبل أن يعرف الدولة الحديثة، والوزارات، والمدارس، وأنظمة الضمان الاجتماعي. وكانت الأسرة عبر المجتمعات المختلفة الإطار الأول الذي يستقبل الطفل، ويمنحه انتماءه، ويعلمه اللغة والقيم والعلاقات، ويصل من خلاله بين جيل سبقه وجيل يأتي بعده.

ومن أشهر المحاولات الأنثروبولوجية المقارنة في هذا المجال دراسة عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي جورج بيتر مردوك، الذي درس نحو 250 مجتمعًا، وخلص إلى وجود وظائف أساسية متكررة للأسرة، تتصل بتنظيم العلاقات الجنسية، والإنجاب، والتنشئة والتعليم، والوظيفة الاقتصادية.[3] وتشير المراجع الاجتماعية المعاصرة عند عرض أعمال مردوك إلى أن تنوع صور الأسرة بين الثقافات لم يمنع حضورها بوصفها من الظواهر الاجتماعية واسعة الانتشار.[4]

ولا يعني ذلك أن الأسرة ظهرت في صورة واحدة ثابتة في جميع المجتمعات؛ فالأسر الممتدة والنووية، وأنظمة القرابة والإقامة، وأدوار أفراد الأسرة، اختلفت اختلافًا كبيرًا بين الثقافات والعصور. بل إن علم الاجتماع المعاصر نفسه يؤكد هذا التنوع في تعريف الأسرة وصورها ووظائفها.[5]

لكن وراء هذا التنوع حقيقة يصعب تجاهلها: الإنسان لا يبدأ حياته فردًا مستقلًا في فراغ.

إنه يولد عاجزًا، محتاجًا إلى من يرعاه ويحميه ويطعمه ويعلمه. وهذه الحقيقة البيولوجية تتحول في المجتمع الإنساني إلى رابطة اجتماعية وأخلاقية: هناك من يرعى، ومن ينتمي، ومن يتحمل المسؤولية، ومن ينقل ذاكرة الجيل إلى الجيل الذي يليه.

ومن هنا لم تكن الأسرة مجرد شكل للسكن المشترك، وإنما كانت عبر التاريخ إحدى أهم البيئات التي تتم فيها التنشئة الاجتماعية، ويتعلم الطفل داخلها أولى معاني اللغة والقيم والهوية والانتماء.[4]

هل انتهت الحاجة إلى الأسرة؟

مع نشوء الدولة الحديثة تغير كثير من وظائف الأسرة. فالمدرسة أخذت جانبًا كبيرًا من التعليم، والمستشفى تولى جانبًا من الرعاية الصحية، والدولة أقامت أنظمة للحماية والضمان الاجتماعي، والسوق وفر خدمات وسلعًا كانت الأسرة تنتج جانبًا كبيرًا منها بنفسها.

وهنا يبرز سؤال حديث: إذا كانت مؤسسات المجتمع تستطيع اليوم القيام بكثير مما كانت الأسرة تقوم به قديمًا، فهل تبقى الأسرة ضرورة؟

يبدو السؤال مقنعًا إذا اختزلنا الأسرة في وظائفها فقط.

لكن ماذا لو كانت الأسرة أعمق من وظائفها؟

لقد تغيرت طريقة حصول الإنسان على الماء آلاف المرات، لكنه لم يستغنِ عن الماء. وتغيرت وسائل التواصل، لكنه لم يستغنِ عن حاجته إلى التواصل. وتطورت وسائل الطب، لكنها لم تلغِ حاجته إلى الصحة.

فالوسائل تتغير، أما الحاجات الأصلية فلا يلزم أن تزول بتغير الوسائل.

وكذلك الأسرة.

يمكن للمدرسة أن تعلم الطفل الرياضيات والعلوم، لكنها لا تستطيع أن تكون أباه وأمه. ويمكن للدولة أن تمنحه إعانة مالية، لكنها لا تستطيع بقرار إداري أن تمنحه تاريخًا عائليًا وذكريات طفولة وعلاقة وجدانية ممتدة بين الأجيال. ويمكن لمؤسسات الرعاية أن تقدم خدمات عظيمة وضرورية، لكنها لا تجعل المؤسسة بديلًا مطابقًا للبيت.

ولهذا ينظر علم الاجتماع إلى الأسرة بوصفها مؤسسة تؤدي أدوارًا تتجاوز الإعالة المادية إلى الرعاية الجسدية والعاطفية والاجتماعية، والتنشئة، واستمرار الروابط بين الأجيال.[5]

فالأسرة لا تقدم للإنسان «خدمات» فقط؛ إنها تمنحه شيئًا يصعب وضعه في جدول اقتصادي: الانتماء.

الفطرة التي لا تلغيها الحداثة

وهنا نصل إلى جوهر القضية.

إن القول بفطرية الأسرة لا يعني أن كل صورة عرفتها الأسر عبر التاريخ صحيحة، ولا أن كل عرف أسري ينبغي الدفاع عنه، ولا أن شكل الحياة الأسرية لا يتأثر بالاقتصاد والثقافة والقانون. كما لا يعني أن المجتمعات القديمة ينبغي أن تصبح نموذجًا جامدًا للمجتمعات الحديثة.

الفطرة شيء، والصور التاريخية التي تتشكل حولها شيء آخر.

ولهذا تستطيع الأسرة أن تتطور دون أن تفقد جوهرها، كما يستطيع البيت أن تتغير هندسته دون أن يفقد معنى السكن.

ويضع القرآن مفهوم الفطرة في إطار أوسع حين يقول تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30].

ومن هذا المنظور، لا تكون مهمة الحضارة أن تحرر الإنسان من الأسرة، وإنما أن تساعد الأسرة على أداء رسالتها في ظروف جديدة. ولا يكون التقدم في أن نستبدل الدولة بالبيت، وإنما في أن نبني دولة تحمي البيت، وتعالج اختلالاته، وتسانده عندما يعجز، من غير أن نتوهم أنها تستطيع أن تصنع بالقانون وحده ما تصنعه المودة والرحمة والانتماء.

لقد تغير العالم من حول الأسرة آلاف المرات، لكن الطفل ما يزال يولد محتاجًا إلى من يرعاه، والإنسان ما يزال يبحث عمن يسكن إليه، والكبير ما يزال يحتاج إلى من يشعر معه بأنه ينتمي إلى قصة أكبر من حياته الفردية.

تغيرت الإمبراطوريات، وتبدلت أنظمة الاقتصاد، وتطورت المدن، وتغيرت وسائل العيش، وظلت الأسرة حاضرة.

فالأسرة ليست مجرد مؤسسة ورثناها من الماضي؛ إنها إحدى الحكايات التي تبدأ مع الإنسان في كل جيل من جديد.

لكن بقاء الأسرة لا يعني بقاء صورتها واحدة عبر التاريخ. فقد تغيرت أحجام الأسر، وأدوار أفرادها، وأنماط الزواج، وعلاقات القرابة، وتأثرت بالزراعة والمدينة والصناعة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا يقودنا الحديث إلى سؤال المقال القادم: كيف تشكلت الأسرة عبر التاريخ؟ وما الذي تغير في صورتها، وما الذي بقي ثابتًا في جوهرها؟

المراجع

[1] فاينرمان، أوفر، وآموس كورمان. «الإدراك الفردي في مقابل الإدراك الجمعي لدى الحشرات الاجتماعية: من سلوك الأفراد إلى السلوك التكيفي للمستعمرة». Frontiers in Robotics and AI، 2017. يناقش البحث آليات التنظيم والسلوك الجمعي واتخاذ القرار في مجتمعات الحشرات الاجتماعية.

[2] يارغر، جيفري ل.، وبرايان ر. تشيري، وأرجان فان دير فارت. «الكشف عن العلاقة بين البنية والوظيفة في حرير العنكبوت». Nature Reviews Materials، المجلد 3، 2018، المقالة 18008. دراسة مراجعة لخصائص حرير العنكبوت وبنيته الجزيئية وعلاقتها بخصائصه الميكانيكية.

[3] مردوك، جورج بيتر. البنية الاجتماعية (Social Structure). نيويورك: ماكميلان، 1949.

[4] أوبن ستاكس. مقدمة في علم الاجتماع، الطبعة الثالثة، الفصل الرابع عشر: «الزواج والأسرة»، ولا سيما قسم «التنوع في الحياة الأسرية». يعرض الكتاب دراسة مردوك لنحو 250 مجتمعًا والوظائف الأربع التي حددها للأسرة: الجنسية، والإنجابية، والتعليمية/التنشئية، والاقتصادية.

[5] أوبن ستاكس. مقدمة في علم الاجتماع، الطبعة الثالثة، قسم «ما الزواج؟ وما الأسرة؟». يعرض التعريفات الاجتماعية للأسرة، وتنوع صورها، وأدوارها في الرعاية الجسدية والعاطفية والاجتماعية والتنشئة والعلاقات بين الأجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top