المعرفة الأولى

حين علَّم الله آدم الأسماء

لم تبدأ رحلة التعليم بمدرسة ولا بكتاب. بدأت بإنسان يتلقى المعرفة، ويتعلم أسماء الأشياء، ثم ينظر إلى العالم بعين لا ترى الموجودات وحدها، بل تدرك أسماءها ومعانيها وما يمكن أن تصنعه بها.

يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 31–33].

يبدأ هذا المشهد العظيم بفعل واضح: وعلَّم. فالإنسان لم يبدأ حياته عارفًا بكل شيء، وإنما بدأ قادرًا على التعلم. وكانت هذه القدرة من الخصائص التي أظهرت مكانته واستعداده للحياة في الأرض.

وقد اختلف المفسرون في تحديد الأسماء التي علّمها الله آدم؛ فقيل إنها أسماء الأشياء كلها، وقيل إنها أسماء مخصوصة، ووردت أقوال أخرى. وليس مقصدنا الوقوف طويلًا عند هذا الخلاف، وإنما عند المعنى الجامع: تعلّم آدم الأسماء، وعرف ما تدل عليه، ثم استطاع أن ينبئ بما تعلّم.¹

واللافت أن القرآن أخبرنا بما علّم الله آدم، لكنه لم يذكر كيف جرى ذلك التعليم، ولا كم استغرق من الزمن. وهذه مساحة تفتح لنا نافذة تربوية مهمة: فالعبرة ليست بصورة واحدة يجري التعليم من خلالها، وإنما بحصوله وثمرته في الإنسان. ولهذا تنوعت صيغ التعليم عبر التاريخ؛ تعلّم الإنسان بالسماع والمشاهدة والمحاكاة والتجربة، وتعلّم في الأسرة والمجتمع والعمل ودور العبادة، ثم في المدرسة والجامعة. تغيرت الأدوات والأماكن، وبقي التعليم أوسع من أن يُحبس في قالب واحد.

ويتكرر معنى العلم في هذا المقطع القصير تكرارًا لافتًا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾، و﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، و﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، و﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ثم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾. وكأن الحكاية الإنسانية، وهي تبدأ، تضع العلم في قلبها: الله هو العليم ومصدر العلم، والملائكة تقف عند حدود ما علّمها الله، وآدم تظهر خصوصيته فيما أُوتي من قابلية للتعلم والإنباء بما تعلّم.

ولا يعني ذلك أن الملائكة لم يكن لديها علم؛ فقد قالت بوضوح: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. كان لها من العلم ما علّمها الله، لكنها لم تعلم ما علّمه آدم في ذلك المقام. وهكذا لا تقوم خصوصية الإنسان على امتلاك العلم وحده، بل على ما منحه الله من استعداد معرفي يناسب مهمته في الأرض.

ويبدو عرض المسميات على الملائكة، ثم أمر آدم أن ينبئهم بأسمائها، إظهارًا لما خصّه الله به من المعرفة. وقد رأى ابن عاشور أن تعليم آدم، ثم إظهار فضله بقبول هذا التعليم، كان بيانًا لجدارته بالاستخلاف في الأرض.² وبذلك جاء التعليم مرافقًا للتكريم والتكليف معًا: تكريمٌ بما أُعطي الإنسان من قدرة على التعلم، وتكليفٌ بأن يستخدم ما تعلّمه في أداء مهمته.

وقد يبدو الاسم كلمة صغيرة، لكنه يفتح للإنسان بابًا واسعًا إلى المعرفة. فالطفل يرى أشياء كثيرة قبل أن يعرف أسماءها، فإذا تعلّم اسم الشيء استطاع أن يميزه، ويسأل عنه، ويتحدث به، ويستحضره وإن غاب عن عينه.

يرى شجرة، فيعرف اسمها، ثم يميزها من غيرها، ويتعلم أين تنبت ومتى تثمر وكيف ينتفع بها. ويرى حيوانًا، فيعرف طبعه وما يؤمن جانبه وما ينبغي الحذر منه. وهكذا لا تبقى الخبرة محبوسة في لحظة المشاهدة، بل تصبح معرفة يمكن حفظها ونقلها والإضافة إليها.

وتظهر صلة آدم بالتسمية أيضًا في سفر التكوين، حيث تذكر الرواية أن المخلوقات عُرضت عليه ليمنحها أسماءها.³ ومع اختلاف السياق بين النصوص، تظل التسمية حاضرة في بداية علاقة الإنسان بالعالم؛ فهو لا يرى الأشياء فقط، بل يدخلها إلى عالم اللغة، ثم يتفاهم مع الآخرين بشأنها.

وقد رأى إرنست كاسيرر أن الإنسان يعيش داخل عالم من الرموز يصنع بها معاني الأشياء من حوله.⁴ فالبيت ليس جدرانًا فقط، والوطن ليس أرضًا فقط، والأسرة ليست مجموعة من الأشخاص. وراء كل اسم معانٍ وذكريات وعلاقات وقيم، يتعلم الإنسان من خلالها كيف يرى نفسه والعالم.

والطفل لا يتعلم الكلمات منفردًا؛ يسمعها من أمه وأبيه ومن الناس المحيطين به، ثم يبدأ في استخدامها. وقد بيّن فيغوتسكي أن الكلمة لا تنقل ما نفكر فيه فحسب، بل تسهم في تشكيل التفكير نفسه.⁵ فالطفل حين يتعلم أسماء الألوان لا يضيف كلمات جديدة إلى ذاكرته فقط، وإنما يصبح أكثر قدرة على التمييز بينها وتنظيم ما يراه.

ومع الكلمات يتعلم الإنسان معاني مجتمعه وقيمه. حين يسمع الطفل كلمات مثل الرحمة والأمانة والعدل، لا يتعلم ألفاظًا مجردة، بل يبدأ في تكوين صورة عن الخير والطريقة التي ينبغي أن يعامل بها الآخرين. وحين يتعلم أسماء الأب والأم والجد والجدة، فإنه لا يحفظ صلات القرابة فحسب، بل يكتشف موقعه داخل عائلة لها حقوق وواجبات. ولهذا لا يكون التعليم نقلًا للمعلومات وحدها، بل مشاركة في بناء الإنسان وصناعة المعنى الذي يرى به الحياة.

ولم يكتف المشهد القرآني بذكر أن آدم تعلّم، بل طُلب منه أن يُظهر ما تعلّمه: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. ظهرت المعرفة في قدرته على الإنباء، لا في مدة قضاها وهو يتعلم، ولا في لقب مُنح له. وهنا يبرز سؤال سيصاحبنا في هذه الرحلة: هل نعرف أن الإنسان تعلّم لأنه أمضى سنوات في المدرسة، أم لأن شيئًا حقيقيًا تغير في معرفته وقدرته؟

قد يدرس طالب لغة سنوات طويلة ثم يعجز عن التحدث بها، بينما يتعلمها آخر في مدة أقصر لأنه مارسها واحتاج إليها. وقد يحمل إنسان شهادة في مهنة لا يتقنها، بينما يجيدها آخر تعلّمها بالمشاهدة والتدريب والعمل. ليست المشكلة في طول مدة التعلم؛ فبعض المعارف يحتاج إلى سنوات، ولكن مرور الزمن وحده لا يصنع معرفة، والجلوس في مكان التعليم لا يعني دائمًا أن التعلم قد حدث.

وفي جواب الملائكة درس آخر: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. لم تدّع معرفة لا تملكها، وفي ذلك خُلُق لا يقل أهمية عن العلم نفسه: أن يعرف الإنسان حدود معرفته، وأن يستطيع أن يقول: لا أعلم.

غير أن بعض البيئات التعليمية جعلت الخطأ تهمة، وعدم معرفة الإجابة مصدرًا للخجل. فيتعلم الطالب أن يخمّن أو يكرر كلامًا لم يفهمه، بدل أن يقول بصدق: لا أعلم، ولكنني أستطيع أن أتعلم. وحين نخيف المتعلم من السؤال والخطأ، فقد ندفعه إلى التظاهر بالمعرفة بدل البحث عنها.

وفي مشهد التعليم الأول لا نجد صفًا ولا مقررًا ولا شهادة، لكننا نجد جوهر التعليم كله: إنسانًا قابلًا للتعلم، ومعرفةً تخرجه من الغموض، ولغةً تمنحه القدرة على الفهم والبيان، وتواضعًا أمام حدود العلم، ومسؤولية تبدأ مع القدرة. لقد كان التعليم من أول ما صاحب الإنسان، ومن وجوه تكريمه وتأهيله لمهمته؛ ولذلك لم تبدأ رحلة العمران حين امتلك الإنسان الأشياء، بل حين تعلّم أسماءها، وفهم معانيها، وعرف كيف يحوّل المعرفة إلى عمل.المراجع

المراجع

  1. ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. تفسير سورة البقرة، الآية 31. موقع التفاسير العظيمة.
    https://www.greattafsirs.com/Tafsir_Library.aspx?AyahNo=31&LanguageID=1&MadhabNo=7&SoraNo=2&TafsirNo=54.
  2. الكتاب المقدس. سفر التكوين، الإصحاح 2، الآيتان 19–20.
    https://www.biblegateway.com/passage/?search=Genesis+2%3A19-20&version=NIV.
  3. الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تفسير سورة البقرة، الآية 31. مشروع المصحف الإلكتروني، جامعة الملك سعود.
    https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura2-aya31.html.
  4. كاسيرر، إرنست. مقال في الإنسان: مدخل إلى فلسفة الثقافة الإنسانية. نيو هيفن: مطبعة جامعة ييل، 1944.
    https://yalebooks.yale.edu/2021/06/16/a-clue-to-the-nature-of-man-the-symbol/.
  5. فيغوتسكي، ليف. الفكر واللغة. تحرير وترجمة أليكس كوزولين. كامبريدج،س، ماساتشوستس: مطبعة معهد ماساتشوستس للتقنية،6..
    https://mitpress.mit.edu/9780262720014/thought-and-language/.

فكرتين عن“المعرفة الأولى”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top