حين تقدّمت المعرفة… وتراجعت التربية

أنهينا المقررات… فماذا عن بناء الإنسان؟

في الأسابيع الأخيرة من العام الدراسي يكثر السؤال في المدارس: كم بقي من محتوى المنهج؟ هل انتهى معلم الرياضيات من الوحدات المقررة؟ هل أكملت معلمة العلوم الفصول المطلوبة؟ هل انتهت المراجعة؟ وهل أصبح الطلاب مستعدين للاختبارات؟

أسئلة طبيعية ومهمة؛ فالمدرسة مسؤولة عن تعليم طلابها، ولا قيمة لمدرسة لا تحقق هذه المهمة بكفاءة. لكن سؤالًا آخر لا يحضر عادة بالقوة نفسها: ماذا حدث لهؤلاء الطلاب خلال عام كامل من الناحية التربوية؟ هل أصبحوا أكثر مسؤولية؟ هل تحسن تعاملهم مع بعضهم؟ هل تعلموا الاعتراف بالخطأ؟ هل أصبحوا أقدر على ضبط غضبهم واحترام المختلف عنهم؟

هذه المفارقة لا تعني أن المدرسة المعاصرة ترفض التربية. فالحديث عن القيم والشخصية والمسؤولية والمواطنة حاضر في رؤى كثير من المدارس ورسائلها، لكن التعليم أكثر وضوحًا في بنية المدرسة اليومية. لكل مادة منهج، ولكل منهج خطة، ولكل حصة أهداف، ثم يأتي الاختبار ليمنح الطالب درجة يمكن تسجيلها ومقارنتها وإرسالها إلى الأسرة. أما التربية فليس لها دائمًا هذا الحضور المنظم؛ ولذلك قد تصبح مهمة الجميع من حيث المبدأ، لكنها مهمة لا يعرف أحد على وجه الدقة مقدار ما تحقق منها.

لنتخيل طالبًا أنهى العام بدرجات مرتفعة في الرياضيات والعلوم واللغة، لكنه يسخر من زميله الضعيف، ويتنصل من مسؤوليته حين يخطئ، ويتعامل بأدب بالغ مع المدير ثم بطريقة مختلفة مع عامل المدرسة. سيحمل تقريره إلى أسرته بوصفه طالبًا متفوقًا، وهذا صحيح من ناحية التحصيل، لكن التقرير لا يخبرنا إلا بجزء من قصة هذا الطالب. فقد نجحنا في تعليمه أشياء كثيرة، لكن نجاحنا في تربيته يحتاج إلى سؤال آخر ومعيار آخر.

وقد تظهر المفارقة بأوضح صورها في الاختبار نفسه. يدرس الطالب في مادة التربية الإسلامية حرمة الغش، ويحفظ قول النبي ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».¹ ثم يأتيه في الاختبار سؤال: اذكر الدليل على حرمة الغش، فلا يتذكر الحديث، فيلتفت إلى ورقة زميله ليغش منه الإجابة: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»!

هنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فقد عرف الطالب القيمة، وربما حصل على الدرجة المخصصة لها، لكنه مارس في اللحظة نفسها نقيضها. وهذا يكشف المسافة التي قد تفصل بين تعليم القيمة والتربية عليها.

ويحدث الشيء نفسه خارج الاختبار. قد يتشاجر طالبان في الممر، فيفصل المعلم بينهما ويطلب منهما العودة سريعًا إلى الفصل لأن الحصة بدأت والمنهج متأخر. وقد يكون تصرفه مفهومًا، لكنه مر بجوار موقف تربوي ثمين. كان بالإمكان، في الوقت المناسب، معرفة سبب الخلاف، ومساعدة المخطئ على الاعتراف بخطئه، والمتضرر على التعبير دون اعتداء، والاثنين على تجاوز الموقف بطريقة أفضل. عشر دقائق كهذه قد لا تظهر في سجل إنجاز المنهج، لكنها ربما تبقى في شخصية الطالب أطول من معلومات كثيرة درسها للامتحان ثم نسيها.

المشكلة إذن ليست في اهتمام المدرسة بالمعرفة، بل في أن المعرفة أصبحت الجزء الأسهل تنظيمًا ومتابعة ومحاسبة. يُسأل المعلم: إلى أين وصلت في الكتاب؟ ويُسأل رئيس القسم عن نتائج مادته، وتُقارن درجات الطلاب، وتُعلن نسب النجاح. لكن من النادر أن تكون المتابعة التربوية بالمستوى نفسه من الوضوح والاستمرار. ومع كثرة الطلاب وضغط الوقت والاختبارات، يصبح طبيعيًا أن يتجه الجهد الأكبر إلى المهمة التي سيحاسب عليها المعلم والمدرسة بصورة مباشرة.

وقد عايشت المدرسة من مواقع مختلفة؛ معلمًا ومشرفًا ومستشارًا وإداريًا، ورأيت أن كثيرًا من المعلمين يحملون رغبة حقيقية في تربية طلابهم، لكن النظام نفسه لا يمنح هذه المهمة دائمًا ما تستحقه من مساحة. قد يعرف المعلم أن طالبًا تغير سلوكه، أو أن آخر يحتاج إلى متابعة، أو أن ثالثًا بدأ يفقد ثقته بنفسه، لكنه أمام عشرات الطلاب وحصص متلاحقة ومنهج ينبغي إنجازه. وهنا لا يكون السؤال عن صلاح المعلم أو إخلاصه بقدر ما يكون عن موقع التربية في تصميم العمل المدرسي نفسه.

بل إننا أحيانًا نرسل إلى الطالب رسالتين مختلفتين دون أن نشعر. نقول له إن التعاون قيمة مهمة، ثم نجعل معظم نجاحه فرديًا. ونحدثه عن المبادرة، ثم نقرر عنه معظم ما يفعله. ونعلمه المسؤولية، ثم لا نعطيه مسؤوليات حقيقية يخوض فيها التجربة ويتحمل نتائجها. ونطلب منه الصدق، ثم يصبح همُّ بعض المدارس عند الزيارة الرسمية أن تظهر بصورة مختلفة عن أيامها العادية. والطالب شديد القدرة على قراءة هذا التناقض؛ فهو لا يتعلم مما نقوله فحسب، وإنما مما يراه يحدث أمامه.

ولهذا لا يكفي أن نضيف إلى الجدول حصة للقيم أو كتابًا للأخلاق ونقول إننا أعدنا التربية إلى المدرسة. يمكن للطالب أن يحصل على مئة في مادة القيم ويبقى سلوكه كما هو. التربية تحتاج إلى أن تتحول المدرسة نفسها إلى مساحة للممارسة: يُعطى الطالب مسؤولية حقيقية، ويُحاسب إذا أخطأ دون إهانة، ويُشجَّع عندما يعترف بخطئه، ويتعلم كيف يختلف دون أن يعتدي، وكيف يفوز دون غرور، وكيف يخسر دون إساءة، وكيف يتعامل مع من هو أضعف منه.

وهذه ليست دعوة إلى إهمال التحصيل الأكاديمي، بل إلى إعادة تعريف النجاح بصورة أوسع. فنحن نحتاج إلى عالم متمكن من علمه، وطبيب ماهر، ومهندس مبدع، ومبرمج متفوق؛ لكن العلم والذكاء والمهارة يمكن أن تستخدم للبناء كما يمكن أن تستخدم للإضرار بالإنسان. ولهذا لا يكفي أن نسأل عن مقدار القوة المعرفية التي منحتها المدرسة للطالب، بل ينبغي أن نسأل أيضًا عن الإنسان الذي سيحمل هذه القوة وكيف سيستخدمها.

وهذا السؤال يتوافق مع اتجاهات تربوية معاصرة اتسع فيها الاهتمام بالمهارات الاجتماعية والانفعالية، ومنها المسؤولية وضبط الذات والتعاون والتعاطف والمثابرة، بوصفها جوانب مهمة في نمو المتعلم وحياته، وليست منفصلة عن مهمته التعليمية.²

إن التعليم يمنح الإنسان المعرفة والقدرة، أما التربية فتسهم في توجيه هذه المعرفة والقدرة. وليس المطلوب أن نختار بينهما، ولا أن نأخذ من وقت العلوم والرياضيات لنملأه بالمواعظ. المطلوب أن نستعيد السؤال التربوي داخل كل ما تفعله المدرسة: ماذا يتعلم الطالب، نعم؛ ولكن ماذا يصنع هذا التعلم، وهذه البيئة، وهذه السنوات الطويلة في شخصيته؟

فالمدرسة تستطيع في نهاية العام أن تقول بدقة: أنهينا المنهج.

ويبقى السؤال الأهم:

وماذا بنينا في الإنسان؟


المراجع

  1. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا»، حديث 101.
  2. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، المهارات الاجتماعية والانفعالية من أجل حياة أفضل: نتائج مسح المهارات الاجتماعية والانفعالية 2023 (باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2024).

فكرتين عن“حين تقدّمت المعرفة… وتراجعت التربية”

  1. جزاك الله خيرا دكتور عبد القوي
    بالفعل بناء القيم لا بد ان تكون رديفة تزويد العلوم للابنائنا الطلاب
    وتموضع بناء القيم والاخلاق في مناهج الدراسة التقليدية يتم ادماجه بواسطة المعلم الناجج الناصح الغيور.

  2. جزاك الله خيرا دكتور عبد القوي
    بالفعل بناء القيم لا بد ان تكون رديفة تزويد العلوم لابنائنا الطلاب
    وتموضع بناء القيم والاخلاق في مناهج الدراسة التقليدية يتم ادماجه بواسطة المعلم الناجج الناصح الغيور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top